اهل السنة و الجماعة

5 07 2012

} أهلُ السنّةِ والجماعة{

        السنّةُ – أي سنّةُ رسولِ الله e- هي ما بَيّنَ وفَسّرَ بـها كتابَ اللهِ تعالى قولاً وفعلاً وتَقْريرًا، وهي الطريقُ المتّبَعُ، وهي دينُ الإسلامِ، لايَزيغُ عنها إلاجاهلٌ مُبْتَدِعٌ. (الأنوار الرحمانية : 7)

قال الله تعالى:﴿وأَنْزَلْنَاإليكَ الذِكْرَ لِتُبَيِّنَ للناسِ مانُزِّلَ إليهمْ وَلَعَلّهم يَتَفكّرونَ﴾ النحل: 44.    وقال تعالى:﴿ويُعَلِّمُهم الكتابَ والحِكْمةَ﴾ البقرة :129. قال قَتادة:الحكمةُ السنّةُ.وقال ابنُ زيد:الحكمةُ الدينُ الذي لا يَعْرِفونه إلاّبه e.وقال أبوجعفر:الحكمةُ العِلْمُ بأحكامِ اللهِ التي لَمْ يُدْرَكْ علمُها إلاّ ببَيانِ الرسول e.(تفسير الطبري: 1/ 207-208 مختصرا ). وقال النبيّ e:”ألاَ إِنّي أُوتِيتُ القرآنَ ومثْلَه معه” رواه أحمد وأصحاب السنن إلا النسائي. فالسنّةُ تُفسِّر القرآنَ  وتُبَيِّنُه وتَدُلّ عليه.  (العقيدة الواسطية: 70 ). والتَمسُّكُ بالعُموماتِ مع الغَفْلةِ عن بَيانِ الرسولِ e بفِعْله وتركِه هو مِنْ اتّباعِ المُتَشابِه الذي نَهَى اللهُ عنه. ( الإبداع : 32)

        ولفظُ الجماعةِ لَم يَرِدْ في القرآنِ الكريم، وإنّما كثُر وُرودُه في السنة المطهَّرة.والمُتَتبِّعُ لِمَواضِع وُرودِ هذه الكلمةِ في السنّةِ يَجد أنّها تأتي دائمًا في مُقابَلَةِ التَفرُّقِ المَذْمومِ، وذلك فى مِثْل قولِه e: “الجماعةُ رحمةٌ والفُرْقَةُ عذابٌ”رواه أحمد، وفى قولِه  e:”عليكم بالجماعةِ وإيّاكم وَالفُرْقةَ “

                         رواه أحمد والترمذي وابن ماجه بإسناد صحيح. ( الجماعة مفهومها وكيفية لزومها: 11)

قال الله تعالى :﴿وَاعْتَصِمُوا بحَبْلِ اللهِ جميعًا ولا تَفَرّقُوا آل عمران : 103. قال أبوجعفر: وتَمَسّكُوا بدينِ اللهِ – وقال ابن مسعود: بالجَماعةِ – وقال أيضًا: حبْلُ اللهِ الجماعةُ، وقال قَتادة :بالقرآن – وقال ابْنُ زيد : بالإسْلام – وقال أبوجعفر : ولا تَتَفرّقُوا عن دين الله وعَهْدِه الذي عَهِد اللهُ إليكم في كتابه، من الائْتِلافِ والاجْتماعِ على طاعتِه وطاعةِرسولِِه e.( تفسير الطبري: 3/ 378 وما بعدها مختصرا)

       وعلى هذا يُفْهَم أنّ الجماعةَ من الاجْتماعِ على الأُصولِ الثابتةِ بالكتابِ والسنّةِ والإجْماعِ، واتّباعِ ما كان عليه السلفُ من لُزومِ الحقِّ واتّباعِ السنّةِ ومُجانبَةِ البِدَعِ والمُحْدَثاتِ. ويُقابِل الجماعةَ بـهذا المعنى التفرّقُ في الدين. قال النبيّ e:“وإنّ هذه الأمّةَ ستَفْتَرِق على ثلاثٍ وسبعينَ مِلّةً كلُّها في النار إلاّ واحدةً وهي الجماعةُ “ رواه أبوداود وغيرُه. والجماعة بِهذا المعنى لا يُشْتَرط لها كَثْرةٌ ولا قِلّةٌ، بل هي مُوافَقةُ الحقِّ وإنْ خالفَه أكثرُ أهْلِ الأرضِ. ولهذا لمّا سُئِل ابْنُ المبارك عن الجماعةِ الذين يُقْتَدى بِهم قال:أبو بكرٍ وعمرُ. وقال ابْنُ راهوَيْه:إِنّ الجماعةَ عالِمٌ مُتَمَسِّكٌ بأَثَرِ النبيّ e وطريقتِه، فمن كان معَه وتَبِعَه فهو الجماعةُ . وقال ابن مسعود: الجماعةُ ما وافقَ الحقَّ وإنْ كنْتَ وحْدَكَ. (الجماعة مفهومها وكيفية لزومها : 12-13 مختصرا) . فأهلُ السنّةِ والجماعةِ هم سلفُ هذه الأمّةِ من الصحابةِ والتابعينَ الذين اجْتَمَعُوا على الحقِّ الصَريحِ من كتاب الله تعالى وسنّةِ رسولِه e،   وإمامُهم رسولُ الله e. وكلُّ من يَدْعو إلى مثْلِ ما دَعا إليه رسولُ الله e وصحابتُه والتابعونَ لهم بإِحْسانٍ فهو على نَهْجِ السلَفِ (أهْلِ السنّةِ والجماعةِ) (شرح الواسطيّة: 15– الوجيز في منهج السلف: 14)

} مَنْهجُ وكِيانُ أهْلِ السنّةِ والجماعةِ {

        وَمنْهجُ أهْلِ السنَّةِ والجماعةِ يَتميّز بالحقِّ والأَصالةِ، لأنّه يُؤْمِن بدين الحقِّ، ويَعْتَصِم بكتابِ الله تعالى، ويَتّبِع سنّةَ رسولِه r، ويُدافِع عن الحقِّ ولو أعْرَضَ عنه أكْثرُ الناسِ، كما قال ابْنُ مسعودٍ t “الجماعةُ ماوافَق الحقَّ ولَوْكنْتَ وحدك” وقال أبوشامةَ t “وحيْثُ جاءَ الأمْرُ بلُزوم الجماعةِ فالمرادُ به لزومُ الحقِّ واتّباعُه” وقال النبيّ r لا تَزال طائفةٌ من أمّتي ظاهرينَ على الحقِّ، لا يَضُرّهم  مَنْ خَذَلهم حتىّ يأتيَ أمْرُاللهِ وهم كذلك”– متّفق عليه-. وهذا لفظ مسلم. وأمّاأَصالةُ هذا المَنْهج فلأنّه تُسْتَمدّ جُذورُه مِنْ نَهْجِ الصحابةِ y ، وهم الذينَ رَبَّاهم وعَلّمهم النبي r كما جاء  في الحديث  :  “ما أَنا عليه وأصْحابي “– رواه الترمذي-. وهم المشْهودُ لهم بالخير والفضيلةِ. قال r ” خيرُأمّتي القَرْنُ الذينَ بُعِثْتُ فيهم ، ثمّ الذينَ يَلُونَهم ، ثمّ الذينَ يَلُونَهم” -. رواه أبوداود- . وروى البخاري ومسلم نحوَه .

        وكِيانُ أهْلِ السنّةِ والجماعةِ يَتميّز بالجَماهيريّةِ والأَغْلبيّةِ والقِياديّةِ. فَجماهيريّةُ أهْلِ السنّةِ والجماعةِ تَتَمثّلُ في القاعدةِ الواسعةِ التي تَشْمُل جميعَ أهْلِ الإسلامِ والإيمان.وذلك باعْتبارِ المسليمن كُلِّهم أمّةً واحدةً تقوم على وَحْدَةِ العقيدةِ والعبادةِ والأخلاقِ،ووَحْدَةِِ التاريخِ والمَصير. قال الله تعالى: ﴿ إنّ هذه أُمَّتُكم أمّةً واحدةً وأنا ربُّكم فَاَعْبُدُونِ  الأنبياء :  92. وأمّا الأَغْلبيّةُ فيُعْنَى بِها اعْتِمادُ أهْلِ السنّةِ والجماعةِ على السَوادِ الأعْظمِ من أهْلِ الإسلامِ، وهو الذي يَدلّ عليه كلامُ أبي غالِبٍ أنّ السَوادَ الأَعْظم هم الناجونَ مِن الفِرَقِ. ويَدْخل فى الأغلبيّةِ مُجْتَهِدُوا الأمّةِ وعُلماؤُها وأهْلُ الشريعةِ والعامِلونَ بِها. وقال الإمام إسْحاقُ بْنُ راهوَيْه: “لوسألْتَ الجُهّالَ عن السَوادِ الأعظمِ لقالوا:جماعةُ الناسِ”

        وأمّا القِياديّةُ فيُرادُ بِها وُجودُ إمامٍ راشدٍ ومُطاعٍ . قال رسول الله r:” مَنْ خَرَج من الطاعةِ وفارقَ الجماعةَ فماتَ، ماتَ مِيتَةً جاهليّةً “ – رواه مسلم – . ونَرى أنّ الجماعةَ لايَكْتَمِلُ كلُّ مَعانيها إلاّ أن يكونَ على رأسِ الجماعةِ إمامٌ راشِدٌ. وعلَى الرَغْمِ مِنْ أنّ الإمامَ غيرُ قائمٍ في عَصْرِنا، لكنْ بعضُ مَعاني الجماعةِ موجودةٌ، ولا تزالُ طائفةٌ من أمّةِ محمّدٍr ظاهرينَ على الحقِّ.

(البيعة: 212 ومابعدها بتصرّف واختصار).

وفي معنى الطائفةِ قال البخارى: هم أهْلُ العلم، وقال أحمدُ بْنُ حَنْبل:إنْ لَم يكونوا أهْلَ الحديثِ فلا أدري مَنْ هُمْ. قال القاضى عياض: إنّما أرادَ أحمدُ أهْلَ السنّةِ والجماعةِ ومَنْ يَعْتَقد مذْهبَ أهْلِ الحديثِ. وقال الامام النووي :ويَحْتمل أنّ هذه الطائفةَ مُفَرَّقةٌ بين أنْواعِ المؤمنين، منهم شُجْعانُ مُقاتِلون، ومنهم فقهاءُ ومنهم مُحدِّثون، ومنهم زُهّاد وآمِرونَ بالمعروف وناهونَ عن المنكر، ومنهم أهلُ أنواعٍ أخْرَى من الخير. ولا يَلْزَم أن يكونوا مُجْتمِعينَ، بل قد يكونون مُتَفرِّقِين  في أقْطارِ الأرْضِ.

(شرح مسلم : 13/67)

﴿ مِنْ أُصول أهل السنّةِ والجماعةِ﴾

 

من أصولِ أهل السنّةِ والجماعةِ الإيمانُ بِما وَصَف اللهُ بِه نفسَه فى كتابِه وما وَصَفه بِه رسولُه مِنْ غير تَحْريفٍ ولا تعْطيلٍ ومن غير تكييفٍ ولا تَمْثيلٍ بل يُؤمنونَ بأنّ الله سبحانه وتعالى﴿لَيس كمثله شيء ٌوهوالسميعٌ البصيرٌ﴾ الشورى: 11. التحْريفُ تفسيرُ النصوص بالمعاني التي لا تَدلّ عليها، والتعطيلُ نَفْيُ الصفاتِ الإلهيّة وإنكارُ قيامِها بذاتِه تعالى.  أمّا التكييفُ فهو إعْتقادُ  أنّ صفاتِه  تعالى       على كيفيّةِ كذا، وأمّا التمثيلُ فهو إعتقادُ أنّها مثلُ صفاتِ المخلوقين.قال ابنُ حِماد شيخُ البخارى  رحمهما الله: من شبّه اللهَ بِخَلْقِه كَفَر، وَمَنْ جَحَد مَا وَصَف اللهُ به نفسَه كَفَر، وليس فيما وَصَف اللهُ به نفسَه، أووَصَفه به رسولُه تشبيهٌ ولا تَمثيلٌ. ( العقيدة الواسطيّة مع شرحها:17 وما بعدها مختصرا)

فالحياةُ، والعلمُ، والإرادةُ، والقدرةُ، والسمعُ، والبصرُ، والكلامُ، والرحمةُ، والحبُّ، والرِضا، والغَضبُ، والإستِواءُ، والنُزولُ إلى غيرذلك،كلُّها على مايليقُ بِجَلالِه تعالى وكِبْريائِه.  (تطهير الجنان : 73 بتصرف). قال الإمام ُإبنُ عُيَيْنَةَ رحمه الله : كلُّ ما وَصَف اللهُ تعالى به نفسَه فى كتابِه، فتفسيرُه تِلاوتُه والسكوتُ عنه. وقال الإمام الشافعي رحمه الله: آمنْتُ بالله، وبِماجاءَ عن الله، على مُرادِ الله. وآمنْتُ برسول الله، وبِما جاءَ عن رسول الله، على مُرادِ رسولِ الله ( الوجيز فى منهج السلف : 28) .

       وَمِنْ أصُولهم :أنّ الإيمانَ قولٌ باللسانِ، واعْتِقادٌ بالجنَان وعملٌ بالأرْكانِ. فليس الإيمانُ قولاً وعملاً دونَ إعْتقادٍ، لأنّ هذا إيمانُ المنافقينَ. وليس الإيمانُ قولاً وإعتقادًا دون عملٍ، لأنّ هذا إيمانُ المُرجِئة.وكثيرًا مايُسمَّى الأعمالُ إيْمانًا، قال اللهُ تعالى:﴿ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ. أُوْلـئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّا﴾ الأنفال : 3-4. وأنَّ الإيْمانَ يَزيدُ بالطاعةِ ويَنقُص بالمَعْصِيةِ.  ومن أدِلّةِ ذلك أنّ اللهَ تعالى قَسَم المؤمنينَ ثلاثَ طبَقاتٍ، فقال سبحانه: ﴿ فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّه﴾ فاطر: 32  فالسابقونَ بالخيراتِ هم الذينَ أَدُّوا الواجباتِ والمستحبّاتِ، وتركوا المُحرّماتِ والمكروهاتِ. والمُقْتصِدُونَ هم الذينَ اقْتَصَروا على أداءِ الواجباتِ وتَركِ المُحرّماتِ. والظالمُونَ لأنفسهم هم الذين إجْتَرأوا على بعض المُحرّماتِ وقَصَّروا في بعضِ الواجباتِ مَع بَقاءِ أَصْلِ الإيْمانِ مَعهم. ( شرح الواسطية : 103- أصول أهل السنة : 19 مختصرا).

       ومن أصولِهم : أنّهم لا يُكفِّرون أحدًا من المسلمين بِذَنْبٍ، ولوكانَ مِنَ الكبائرِ، إلاّ إذا جَحَد شيئًا معلومًا من الدين بالضَرورةِِ، ثابتًابِالكتابِ والسنّةِ وإجماعِ سَلَفِ الأمّةِ وأَئمّتِها. وإنّما يَحْكُمون عليه بالفِسْقِ ونَقْصِ الإيْمَانِ. وَهَذَا وَسَطٌّ بين الخَوارَج الذينَ يُكَفِّرون مُرْتَكِبَ الكبيرةِ وإنْ كانَتْ دونَ الشركِ، وبين المُرجئةِ الذين يقولون: هوكاملُ الإيْمان، ويقولون: لايضُرُّمع الإيْمانِ مَعْصيةٌ، كما لايَنْفَع مع الكُفْرِطَاعَةٌ .

( الوجيزفى منهج السلف: 34- أصول أهل السنة 20)

ومِنْ أُصولِهم : أنّ الخيرَ والشرَّ بقَضاءِ اللهِ تَعالى وقدرِه. وأنّ الإنْسانَ غيرُ مُجْبَرٍ، يَخْتار أَفْعالَه وعَقائدَه، ويَسْتَحِقّ الثوابَ أوالعقابَ على حَسبِ اخْتِيارِه. قال الله تعالى: ﴿ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكفرْ﴾ الكهف: 29. لكنّ ذلك تابعٌ لِمَشِيئةِ الله تعالى، خلافاً للجَبَريّةِ الذين يقولون إِنّ العبدَ مُجْبَرٌ على أفْعالِه ليس له إخْتِيارٌ، وللقَدَرِيّةِ الذين يقولون إِنّ العبدَ لَه إرادةٌ مُسْتَقِلَّةٌ خارجةٌ عن إرادةِِ الله تعالى ومَشِيئتِه، وأنّه يَخْلق فِعْلَ نفسِه. وقد رَدَّ الله تعالى على الطائفتَيْنِ بقولِه: ﴿وما تَشاءُوْنَ إلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ﴾  التكوير: 29. فأثْبَتَ للعبدِ مَشيئةً ردًّا على الجَبَرِيّةِ، وجَعلها تابعةً لمَشيئةِ الله ردًّا   على القَدَرِيّةِ ( الوجيز فى منهج السلف : 33 – أصول أهل السنة : 18) .

فمَنْ كانَ في قَدرالله جلّ وعلا مِنْ أَهْل الجنّةِ، فَسَيَصيرُ إلى عملِ أهْلِ الجنّةِ، ولا يَضُرّه إِغْواءُ المُغْوِينَ، ومَنْ كانَ فيه مِنْ أَهْلِ النارِ، فَسَيَصيرُ إلى عمل أهْلِ النارِ، ولا تَنْفَعُه نصيحةُ الناصِحينَ، رُفِعَتْ الأقْلامُ، وطُوِيَتْ الصُحُفُ، وجَفَّتْ الأقلامُ بِما هو كائِنٌ إلى يوم القيامةِ ﴿وما ظَلَمَهُم الله ولكِنْ كانُوا أَنْفُسَهم يَظْلِمونَ﴾ ال عمران: 117 . ( معتقد أهل السنة والجماعة : 49)

       وَمِنْ أُصُولِهِمْ أنّهم لايَجْزِمُون لأحدٍ-كائنًا مَنْ كانَ – بِجنّةٍ ولا ناَرٍ إلاّ مَنْ جَزَم لَه رسولُ الله r، ولكنْ يَرْجُون للمُحْسِن، ويَخافُون علَى المُسيءِ. وأنَّ الصلاةَ جائزةٌ خَلْفَ كُلِ بَرًّ أوفاَجِرٍ إذَاكانَ ظاهِرُها صحيحًا.(الوجيز فى منهج السلف: 36). قال الإمام الشافعي رحمه الله: وإِنّ قومًا فى سَفرٍ أو حَضرٍ أو غيرِه إئْتَمُّوا بِرَجُلٍ لا يَعْرِفُونه فأقامَ الصلاةَ، أَجْزَأتْهُمْ صلاتُهم، ولَو شَكُّوا أَمُسْلِمٌ هوأو غيرُ مُسْلِمٍ، أَجْزأتْهُم صلاتُهُم. ( الأم: 1/ 145) قال رسول الله r :﴿أئِمَّتُكم يُصَلّون لكم ولهم، فإِِنْ اصابُوا فلكم ولهم، وان اخْطأوُا فلكم وعَليهم﴾ رواه البخارى وغيره. فجَعَل خَطأَ الإمامِ على نفسِه دُونَـهم، وهذا مذهبُ الجمهورِ.(الفتاوى الكبرى : 2/456)

ومن اُصُولهم:أنّـهم يَتَوَلَّونَ أصحابَ رسولِ الله عليه وسلم، ويَكُفُّون عَنْ مَساوِيهم وماشَجَرَ بينهم، وأمْرُهم إلى ربـّهم، ولايَسُبُّون أحدًا منهم، لِقولِه r :(لاتَسُبُّوا أصْحابِي، فَوَالذِي نفسي بيده لوأَنْفَقَ أحَدُكم مثْلَ أُحُدٍ ذهبًا مابَلَغ مُدَّ أَحَدِهم وَلاَنَصِيفَه) متفق عليه. وأنّ الصحابةَ لَيْسُوا بِمَعْصُومِين عن الخَطأِ، والعِصْمَةَ لله تعالى ولرسوله r ، وأنّ الله تعالى عَصَم مَجْمُوعَ الاُمّةِ عن الخطأِ لا الأفْرادَ.كما قال r: ( إنّ اللهَ لايجمَعُ أمّتي على الضلالةِ، ويدُ الله على الجماعةِ)

 رواه التِرمذي

 (الوجيزفى منهج السلف : 38).

ومن أصولِهم محبّةُ أهْلِ بيتِ رسول الله r وتَوَلِّيهم، عملاً بوصيّتِه r بقوله:” أُذَكِّرُكُمْ اللهَ في أهْلِ بَيْتِي”رواه الإمام أحمد ومسلم. ولا يَغْلُون فيهم، فيَعْتَقِدون فيهم أنّهم يَنْفَعون أويَضُرّون مِن دُون اللهِ، لأنّ الله تعالى يقول لنَبيِّه r:﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا ولاضَرًّا إلاّ ماشاءَ اللهُ﴾ الأعرا ف: 188، ولقوله r لبِنْتِه فاطمةَ رضي الله عنها:“يافاطمةُ بنْتَ محمّدٍ، سَلِينِي ماشِئْتِ من مالِي، لا أُغْنِي عنكِ من الله شيئًا”رواه البخاري ومسلم.فإذا كانَ الرسولُ r كذلك فكيفَ بغيره ؟

(أصول أهل السنة : 23 وما بعدها بتصرف)

        ومن أصُولهم – في الاسْتِدلال – اتِّباعُ ما جاءَ في كتابِ اللهِ تعالى وسنّةِ رسولهِ r باطنًا وظاهرًا، واتِّباعُ ما كان عليه الصحابةُ من المهاجرين والأنصار، ولايُقَدِّمون على كلامِ الله تعالى وكلامِ رسوله r كلامَ أحدٍ من الناس. ولِهٰذا سُمُّوا أهلَ الكتابِ والسنّةِ. ويأخذونَ بِما أجْمعَ عليه علماءُ الأمّة، وهذا هو الأصلُ الثالثُ الذي يَعْتَمِدون عليه بعد الأَصْلَيْنِِ الأوَّلَيْنِ. وهم يَزِنُون بِهذه الأصول الثلاثة جميع ما عليه الناسُ من أقوالٍ وأعمالٍ باطنةٍ أو ظاهرةٍ مِمّا له تعلّقٌ بالدين.

(أصول أهل السنة : 26 – العقيدة الواسطية : 114 )

        ومن أصُولهم  أن لايَعْدِلوا   عن النصِّ  الصحيحِ،  ولايُعارِضوه  بِمَعْقُولٍ  ولابقولِ  فلانٍ،              كما قال البخاري رحمه الله: سمعْتُ الحمَيْدي يقول:كنّا عند الشافعيّ رحمه الله، فأتاهُ رجلٌ فسأله عن مسألةٍ فقال: قَضى فيهارسولُ الله r كذا وكذا، فقال رجلٌ للشافعي: ما تَقول أنتَ ؟ فقال:سبحان الله، تَراني في كَنيسةٍ، تَراني في بِيعةٍ، تَراني على وَسَطي زُنّارٌ ؟ أقول لك: قَضى رسولُ الله r، وأنتَ تقول: ما تَقول أنتَ ؟ ونظائرُ ذلك في كلام السلف كثيرٌ. قال الله تعالى: ﴿ وما كانَ لمؤمنٍ ولا مؤمنةٍ إذا قَضى اللهُُ ورسولُه أمْرًا أن يكونَ لهم الْخِيَرَةُ مِنْ أمْرِهم﴾ الأحزاب : 36.

( شرح العقيدة الطحاوية:354-355)

        وقال ابنُ عبّاسٍ رضي الله عنهما: أرَاهُمْ سيَهْلِكون، أقول : قال النبيّ r، ويَقولون :         قال أبو بكرٍ وعمرُ. رواه الإمام أحمد. وقال الإمام الشافعي رحمه الله: أجْمَعَ المسلمونَ على أنّ مَنْ اسْتَبانَ لهُ سنةٌ عن رسول الله r لَم يَحِلَّ له أنْ يَدَعَها لقولِ أحدٍ. (رسائل التوجيهات:238-إعلام الموقّعين: 2/361).

ومن أصُولهم : أنّ التَحْسِينَ والتَقْبيحَ مُخْتصٌّ بالمُشرِّع، لا مَدْخَلَ للعقل فيه. (الإبداع : 116). قال الشيخُ عبدُ القادر الجيلانيّ رحمه الله: التَحْسينُ والتقبيحُ إلى الشَرْعِ لا إلى العُقولِ (الفتح الرّباني : 287). وقد بالَغ الإمام الشافعي رحمه الله في إنكار الاسْتِحْسانِ، إِذْ نُقِل عنه أنّه قال : مَنْ اسْتَحْسَنَ فقد شَرَع.

(الإبداع: 123).

ومِنْ أصُولِهم : وجوبُ طاعةِ وُلاةِ أُمورِ المسلمينَ مالَمْ يأمرُوا بِمعصيةٍ، فإذا أَمَرُوا بِمعصيةٍ فلا تجوزُ طاعتُهم فيها، وتَبْقَى طاعتُهم بالمعروف في غيرها. عملاًً بقوله تعالى: ﴿يَاأيّها الذين آمنوا أطيعُوا اللهَ وأطيعُوا الرسولََ وأولِى الأَمْرِ منكم﴾ سورة النساء : 59 . وقولِ النبيّ r :(على المرْءِ المسلِم السمْعُ والطاعةُ فيما أحبَّ وكَرِه، إلاّ أن يُؤْمَرَ بِمعصيةٍ، فإِنْ أُمِر بِمعصيةٍ فلا سَمْعَ ولا طاعةَ) متفق عليه.وقولِهr:(اسْمَعُوا وأطِيعُوا، وإِن اسْتُعْمِلَ عليكم عبدٌ حَبَشِيٌّ، كأنَّ رأسَهُ زَبِيبَةٌ) رواه البخاري. وفي روايةٍ لمسلمٍ : (وإن كان عبدًا حَبَشِيًّا مُجَدَّعَ الأَطْرافِ).

 

ويَرَوْنَ أنّ طاعةَ الأميرِ المسلِم طاعةٌ للرسولِ r، ومَعْصِيَتَهُ مَعْصيةٌ له r، لقوله r:(من أطََاعَنِي فقَدْ أَطاعَ اللهَ، ومَنْ عَصانِي فقَدْ عَصَى الله، ومَنْ أطَاعَ أَمِيرِي فقَدْ أَطَاعَنِي، ومَنْ عَصَى أَمِيري فقَدْ عَصاني) متفق عليه.وفي روايةٍ لمسلم: (ومَنْ يُطِعِ الأميرَ فقد أطَاعَني، ومَنْ يَعْصِ الأميرَ فقد عَصَاني)      ويَرونَ الصلاةَ خَلْفَهم والجهادَ معَهم والدعاءَ لَهم بالصَلاحِِ ومُنا صَحَتَهُمْ.

ومِنْ أُصولِهم تَحْرِيمُ الخُروجِ علَى وُلاةِ أمُورِ المسلمينَ إِذا ارْتَكَبُوا مُخَالَفةً دُونَ الكُفْرِ.     قال النبيّ r: (أَلا مَنْ وَلِيَ عليه وَالٍ، فَرآه يأتي شيئًا مِنْ مَعْصيةِ الله، فليَكْرَهْ مايأتِي من مَعْصيةِ اللهِ، ولا يَنْزِعَنَّ يدًا مِنْ طاعتِه) رواه مسلم وغيره. وقال r: (إِلاَّ أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَواحًا عِنْدَكُمْ من الله فيه بُرهانٌ) متفق عليه. هذا بِخلافِ المُعْتَزِلةِ الذينَ يُوْجِبُونَ الخروجَ على الأئمّةِ إذا ارْتَكَبُوا شيئًا من الكبائر ولو لَمْ يكُنْ كفرًا، ويَعْتَبِرُونِ هذا من الأمْرِ بالمعروفِ والنهي عن المنكرِ. والواقعُ أنّ هذا مِنْ أَعْظَمِ المنكرِ، لِما يَتَرَتَّبُ عليه مَخاطِرُ عظيمةٌ منَ الفَوْضَى وفسادِ الأمْرِ واخْتلافِ الكلمةِ وتَسَلُّطِ الأعْداءِ. (أصول أهل السنة : 21 وما بعدها بتصرف).

وقال جَماهيرُ أهلِ السنّةِ من الفقهاءِ والمحدّثينَ : لا يَنْعَزِلُ بالفسْقِ والظُلْمِ وتَعْطيلِ الحُقوقِ ولا يُخْلَع، ولا يجوزُ الخروجُ عليه بذلك، بل يجبُ وَعْظُه وتَخْوِيفُه للأحاديث الواردةِ في ذلك.

(صحيح مسلم بشرح النووي : 12/229).

 ومِنْ أُصولِهم: التَصْديقُ بالكَراماتِ، وهي ماقَديُجْرِيه الله علَى أَيْدِي بعضِهم مِنْ خَوارقِ العاداتِ إكْرامًا لَهم. وقد أَنْكَرَ وُقوعَ الكراماتِ المعتزلةُ والجَهميَّةُ، وهوإنْكارٌ لأمْرٍ واقعٍ معلومٍ.

( أصول أهل السنة :  25) .

قال النبيّ r: يقول الله تعالى: ( مَنْ عادَى لي وليًّافقد آذَنْتُه بالْحَربِ، وماتَقَرّب عَبْدي بِمثْلِ أداءِ مَاافْتَرَضْتُ عليه، ولايَزَال عبدي يَتَقَرَّب إلـيَّ بِالنَوافِل حَتَّى اُحِبَّه، فَإِذا اَحْبَبْتُه كُنْتُ سَمْعَه الذي يَسْمَع به، وَبَصَره الذي يُبْصِرُ به، ويَده التِي يَبْطِشُ بِها، ورِجْلَه التِي يَمْشي بِها).  رواه البخاري.

       وَسَيأتِي أنّ الكرامةَ مَا تَظْهَر على يَدِ كاملِ المُتابَعةِ لنبيّه r مِنْ غيرِ تَعَلُّمٍ ومُباشَرة أعْمالٍ مَخْصوصةٍ، وأنّها من خَوارقِ العاداتِ. والخوارِقُ قد تكون مع الدينِ.   وقد تكونُ مع عَدمِه أوفسادِه أونَقْصِه، بَل قد يكونُ عَدَمُها أنْفَعَ للمُسلم كما صرَّح به ابْنُ أبِي العِزّ رحمه الله (البغية : 299- شرح العقيدة الطحاوية: 497). قال الشيخ أبوالحسن الشاذليّ رحمه الله: إنّ اللهَ ضَمِن لك العِصمةَ في جانِب الكتابِ والسنّةِ.   وقال الإمام أبو محمّد رحمه الله: إنّ أكبرَ الكراماتِ في هذا  الزمانِ اتِّباعُ السنّةِ والعَضُّ عليها بالنَواجِذ، والتَشْمِيرُ لامْتثالِ ما وَرَدَتْ به في كلِّ وقتٍ وأوانٍ. ( المدخل : 4/294 ). فيجِبُ أن نَعْلم أنّ من الناس مَن ضَلّ في موضوعِ الكراماتِ وغَالَى فيها، حتىّ أدْخَلَ فيها ماليس منها. ( أصول أهل السنة : 25).

       ومِنْ أُصولِهم : الإِيْمانُ بالشفاعةِ (شفاعةِ رسولِ الله r وسائِر الأنبياءِ وغيرِهم بإذن الله) والشفاعةُ من الأمورِ التي ثبتَتْ بالكتاب والسنّة. قال الله تعالى:﴿ مَنْ ذاالَذِي يَشْفَعُ عندَه إلاّ بإذنِه﴾. (البقرة : 255) .فَنَفْيُ الشفاعةِ بلاإذْنٍ إِثباتٌ للشفاعةِ مِن بعد الإذْنِ. وقال تعالى: ﴿ وكَم مِنْ مَلَكٍ في السمواتِ لاتُغنِي شَفاعتُهم شَيئًا إلاّمن بعد أن يَأذَنَ الله لِمَنْ يَشآءُ ويَرْضَى﴾ النجم: 26.    فبيّنَ الله أنّ الشفاعةَ الصحيحةَ هي التى تكونُ بإذنِه ولِمَن يَرْتَضِي قولَه وعَملَه. وقال رسول الله r  ” أناأّوَّلُ شفيعٍ في الجنة”.رواه أحمد ومسلم وغيرهما. وقال r: شفاعتِي لأهل الكبائر من أمّتِي ”     رواه أحمد وصححه الألباني. وأمّا مايَتَمسّكُ به الخوارجُ والمعتزلةُ في نَفيِ الشّفاعةِ من مثلِ قوله تعالى ﴿فماتَنْفَعُهُم شفاعةُ الشافعينَ﴾ المرسلات 48: وقولِه تعالى ﴿ولايُقْبَلُ منها عَدْلٌ ولاتَنْفَعُها شفاعةٌ﴾ (البقرة : 123). فانّ الشفاعةَ المنفيّةَ هنا هي الشفاعةُ في اهلِ الشرك. وكذلك الشفاعةُ الشركيّةُ التي يُثْبِتُها المشركونُ لأصنامِهم، والتّي يُثْبِتُها النصارى للمسيح والرهبان، وهي التِى تكون بغير إذن اللهِ ورِضاه.

 (شرح الواسطية : 96 )

﴿ أنْواعُ الشفاعةِ ﴾  

وله B في القيامة ثلاثُ شفاعاتٍ: أمّا الشفاعةُ الأولى فيَشْفَع في أهْلِ المَوْقِف حتّى يُقْضَى بينهم بعد أن يَتراجعَ الأنبياءُ، آدمُ ونوحٌ وإبراهيمُ وموسى وعيسى بْنُ مريمَ من الشفاعةِ حتّى تَنْتَهِي إليه. وهذه هي الشفاعةُ العُظْمَى، وهي المقامُ المحمودُ الذي يَغْبِطُه به النبيّونَ، وَالذي وَعَده اللهُ أن يَبْعَثه إيّاه بقوله ﴿ عَسَى أن يَبْعَثَك رَبُّك مقامًا محمودًا﴾  الاسراء : 79، يَعْنِي يَحْمَده عليه أهلُ المَوْقِف جميعًا. وقد أمَرنا نبيُّنا B إذا سَمِعْنا النداءَ أن نقول بعد الصلاة عليه “اللّهمّ ربَّ هذه الدعوةِ التامّةِ، والصلاةِ القائمةِ، آتِ محمّدًا الوسيلةَ والفضيلةَ، وابْعَثْهُ مقامًا محمودًا الذي وعَدْتَهُ “ رواه البخاري وغيره.

وأمّا الشفاعةُ الثانيةُ فيَشْفَع في أهل الجنّةِ أن يَدْخُلوا الجنّةَ، أي أنّهم- وفد اسْتَحَقُّوا دخولَ الجنّةِ- لا يُؤْذَن لَهم بدخولِها إلاّ بعد شفاعتِه B. وهاتانِ الشفاعتانِ خاصّتانِ له. وتُضَمّ اليهما شفاعتُه B في تخفيف العذابِ عن بعض المشركين، كما في شفاعته لعمّه أبي طالبٍ فيكونُ في ضَحْضاحٍ من نارٍ، كما في صحيح مسلم عن العبّاس بنِ عبدِ المطّلب أنّه قال: يا رسولَ الله، فهل نَفَعْتَ أبا طالبٍ بشيءٍ، فإنّه كان يَحُوطُك وَيغْضَب لك ؟ قال: ” نعم، هو في ضَحْضاحٍ من نارٍ، ولولاَ أنا لكان في الدَرْكِ الاسْفل من النار”. فتَنْفَع شفاعتُه في تَخْفيف العذابِ عنه لا في إسْقاطِ العذابِ بالكلّيّةِ.

وأمّاالشفاعةُ الثالثةُ فيَشْفَع فيمن استحقَّ النارَ(من العُصاةِ)، وهذه الشفاعةُ له ولسائر النبيّينَ والصدّيقينَ وغيرِهم، فيَشْفَع فيمن استحقّ النارَ(منهم) أن لا يَدْخلها، ويَشْفع فيمن دخلها أن يُخْرَج منها. وهذه هي الشفاعةُ التي يُنكرها الخوارجُ والمعتزلةُ، فإنّ مذهبَهم أنّ من استحقّ النارَ لابدّ أن يَدْخلها، ومن دَخلها لا يَخْرج منها لابشفاعةٍ ولابغيرها، واللهُ تعالى يقول﴿إنّ الله لايَغْفِرأَنْ يُشْرَك به ويَغْفِر مادونَ ذلك لمن يَشاءُ﴾ النساء : 48، ويقول ﴿فمَنْ يَعْملْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خيرًا يَرَهُ ﴾ الزلزلة: 7.  ويُخْرِج الله من النار أقوامًا بغير شفاعةٍ بل بفضلِِه ورحمتِه.

ومنهم مَنْ يَتأوّلُ قولَه تعالى﴿ولو أنّهم إِذْ ظَلَموا أنفسَهم جاءُوكَ فاستَغْفَرُوا اللهَ واستَغْفَر لَهم الرسولُ لوَجَدوا اللهَ توّابًا رحيمًا﴾ النساء : 64، ويقولون : إذا طلَبْنا منه الاستغفارَ بعد موتِه كُنّا بِمَنْزِلةِ الذين طَلَبوا الاستغفارَ من الصحابةِ (في حَياتِه)، ويُخالِفونَ بذلك إجْماعَ الصحابةِ والتابعينَ لهم بإحْسانٍ وسائرِ المسلمينَ، فإنّ أحدًا منهم لم يطلُبْ من النبيّ B بعد موتِه أن يَشْفع له، ولا سأله شيئًا، ولا ذكرَ ذلك أحدٌ من أئمّة المسلمينَ في كُتُبِهم، وإنّما ذكرَ ذلك من ذكرَ مِنْ مُتأخِّري الفقهاءِ وحَكَوْا حكايةً مكذوبةً على مالكٍZ.

(العقيدة الواسطية مع شرحها : 95 وما بعدها-القاعدة الجليلة: ص 6، 18)

قال إبْنُ حُميْدٍ:ناظَر أبوجعفرٍ أميرُ المؤمنين مالكًا في مسجد رسولِ الله B، فقال له مالكٌ:ياأميرَ المؤمنين، لاترفَعْ صوتَك في هذا المسجدِ، فإنّ الله أدّبَ قومًا فقال:﴿لاتَرْفَعُوا أصْواتَكم فوقَ صوتِ النبيِّ ﴾ الآية – الحجرات : 2، ومدَح قومًا فقال: ﴿إنّ الذينَ يَغُضُّونَ أصواتَهم عنْد رسولِ الله ﴾ الآية – الحجرات: 3، وذمَّ قومًا فقال: ﴿إنّ الذينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الحُجُراتِ﴾ الآيةَ : الحجرات:4، وإنّ حُرْمتَه مَيْتًا كَحُرْمتِه حيًّا، فَاسْتَكانَ لَها أبوجعفرٍ فقال: ياأبا عبدِ الله، أسْتَقْبِلُ القبلةَ  وأدْعُو أم أسْتَقْبِل رسولَ الله B؟ فقال: ولِمَ تَصْرِف وَجْهَك عنه وهو وسيلتُك ووسيلةُ أبيكَ آدمَ عليه السلام إلى الله يومَ القيامةِ، بل اسْتَقْبِلْه واسْتَشْفِعْ به فيَشْفَعَك، قال الله تعالى: ﴿ولوأنَّهم إِذْظَلَموا أنفسَهم جَاؤُوكَ فاسْتَغْفَرُا اللهَ واسْتَغْفَرَلَهم الرسولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّابًا رحيمًا النساء:64.

       قلتُ: وهذه الحكايةُ مُنْقَطِعةٌ، فإنّ محمّدَبْنَ حُميدٍ الرازي لَم يُدْرِكْ مالكاً لاسِيّما في زمنِ   أبي جعفرٍ المنصُورِ، فإنّ أباجعفرٍ تُوُفِّي بِمكّةَ سنةَ ثمانٍ وخمسينَ ومائةٍ، وتُوُفِّي مالكٌ سنةَ تسعٍ وسبعينَ ومائةٍ، وتُوفّي محمّدُ بْنُ حُميدٍ الرازي سنةَ ثمانٍ وأربعينَ ومائتَيْنِ، ولَم يَخْرُجْ من بلده    حين رَحَل في طلَبِ العلمِ إلاّ وهو كبيرٌ مع أبيه، وهو مع هذا ضعيفٌ عند أكثرِ أهْلِ الحديثِ،   كَذّبه أبو زرعةَ وابْنُ وارةَ. وقال صالِحُ بْنُ محمّدٍ الأسَدِيّ: مارأيتُ أحدًا أَجْرَأَ على الله منه وأَحْذَقَ بالكذِبِ، وقال يعقوبُ بْنُ شَيْبةَ: كثيرُ المناكيرِ، وقال النسائي: ليس بثِقَةٍ. وهذه الحكايةُ لم يَذْكرها أحدٌ من أصْحابِ مالكٍ المعروفينَ بالأخْذِعنه، ومحمّدُ بْنُ حُميدٍ ضعيفٌ عند أهل الحديثِ إذا أَسْنَد، فكيفَ إِذا أَرْسَل حكايةً لاتُعْرَف إلاّ من جِهتِه.

مع أنّ قولَه﴿وهو وسيلتُك ووسيلةُ أبيك آدمَ عليه السلام إلى الله يومَ القيامةِ﴾ إنّما يَدلّ على تَوسُّلِ آدمَ وذُرّيّتِه به يومَ القيامةِ، وهذا هو التوسّلُ بشفاعتِه يومَ القيامةِ،وهذا حقٌّ كما جاءَ تْ به الأحاديثُ الصحيحةُ. ولكنّها(الحكايةَ) مُناقِضةٌ لمذهب مالكٍ المعروفِ، فإنّ المعروفَ عن مالكٍ وغيرِه من الأئمّةِ وسائرِ السلفِ من الصحابةِ والتابعينَ أنّه إذا سلّمَ على النبيّ B، ثمّ أرادَ أن يَدْعولنفسِه فإنّه يَسْتفبِلُ القبلةَ ويَدْعو في مسجده، ولايَسْتقبِل القبرَ ويَدْعو لنفسِه، بل إنّما يَسْتقبِل القبرَ عند السلامِ على النبيّ B والدعاءِ له. هذا قولُ أكثرِالعلماءِ كمالك-في إِحْدى الروايتين- والشافعي وأحمدَ وغيرِهم. وعند أصْحابِ أبي حنيفةَ لايَسْتَقْبِل القبْرَ وقْتَ السلام عليه أيضًا،       ثمّ منهم من قال: يَجْعل الحُجْرةَ على يَسارِه – وقد رواه ابْنُ وَهْبٍ عن مالك- ويُسلّم عليه.     قال القاضي عياض في “المبسوط” عن مالكٍ قال: لاأَرَى أن يَقِفَ عند قبرِ النبيّ B يَدْعُو،       ولكن يُسلِّم  ويَمْضِي. ( القاعدة الجليلة : 69 وما بعدها مختصرا)

)التَعْبيرُ عن الحقّ عزّ وجلّ بالألْفاظِ الشرعيّة سبيلُ أهل السنّة والجماعةِ(

يأتِي الإثْباتُ للصفاتِ فى كتاب اللهِ مُفصَّلاً، والنفْيُ مُجْملاً، عكْسَ طريقةِ أهلِ الكلامِ المَذْمومِ، فإنّهم يأتونَ بالنفي المفصّلِ والإثباتِ المُجْملِ، يقولون : لَيس بِجِسْمٍ ولا شَبَحٍ وَلاَصورةٍ، ولالحمٍ ولا دمٍ ولا جوهَرٍ ولا عَرَضٍ ولا بذي لونٍ ولارائحةٍ ولاطعم ومَجَسّةٍ، ولا بذي حَرَارةٍ ولابُرودةٍ ولارطوبةٍ ولا يُبوسةٍ، ولا طولٍ ولا عَرْضٍ ولا عُمْقٍ ولا اجْتماعٍ ولاافْتراقٍ، ولا يتحرّكُ ولا يسكنُ ولا يُتَبعّض، وليس بذي أجْزاءٍ وجوارحَ وجهاتٍ، ولايُحيطُ بِه مكانٌ، ولايَجري عليه زمانٌ، ولا يجوز عليه المُمَاسّةُ ولاالعُزلةُ ولاالحلولُ فى الأماكنِ، إلى آخر مانَقله أبوالحسن الأشعريّ رحمه الله عن المعتزلة.

       وفي هذه الجملة حقٌّ وباطلٌ، ويَظْهر ذلك لمن يَعرفُ الكتابَ والسنّةَ. وهذا النفيُ المُجَرّدُ مع كونِه لا مَدْحَ فيه، فيه إساءةُ أدبٍ، فإنّك لوقلتَ للسلطانِ: أنتَ لستَ بزَبّالٍ ولا كسَّاحٍ ولاحَجّامٍ ولاحائكٍ، لأدّبَك على هذا الوصفِ وإنْ كنتَ صادقاً، وإنّما تكون مادِحًاإذا أجْملتَ النفيَ فقلتَ:أنتَ لستَ مثلَ أحدٍ من رَعيّتِكَ. وكل نَفْيٍ يأتى في صفاتِ الله تعالى في الكتاب والسنّة إنّما هولثبوتِ كمالِ ضِدّهِ، كقوله تعالى: ﴿ولايظلم ربّك أحداًسورة الكهف : 49 وقولِه تعالى: ﴿ ومامَسّنا مِن لُغُوبٍ

                                                                سورة ق : 38 إلى غير ذلك.

والتعبيرُ عن الحقّ عزّ وجلَّ بالألفاظ الشرعيّة هو سبيل أهْلِ السنّة والجماعةِ. والمعطِّلةُ يُعرِضون عمّا قاله الشارعُ مِن الأسماءِ والصفاتِ، ولا يتدبّرون مَعانيها، ويَجْعلون ماابتَدعوه هو المُحْكم الذى يجب اعتقادُه واعتمادُه. وأَمّا أهلُ الحقِّ فيَجْعلون ماقاله اللهُ ورسولُه هو الحقّ الذى يجب اعتقادُه واعتمادُه.  وهو أنّه سبحانه و تعالى موصوفٌ بِما وَصَف به نفسَه ووصفَه به رسولُه ﴿ليس كمثله شيءٌ وهو السّميع البصير الشورى : 11.  وله صفاتٌ لَمْ يَطَّلِعْ عليها أحدٌ من خلقه، كما قال النّبيّ r      فى دعاء الكربِ:(اللّهمّ أنّى أسألك بكلّ اسمٍ هو لك سمّيتَ به نفسَك، أو علّمتَه أحداً من خلقك، أو أنزلتَه فى كتابك أواستأثَرْتَ بِه فى علم الغيبِ عندك، أن تَجْعل القرآنَ ربيعَ قلبي، ونورَصدري وجَلاءَ حَزَني وذَهَابَ هَمِّي) رواه الإمام أحمد وغيره بإسناد صحيح

 (شرح العقيدة الطحاوية : 107)

قال ابنُ حِماد شيخُ البخاري رحمهما الله : مَن شبّه اللهَ بِخلقه كفَر، ومن جَحَدَ ماوصَف اللهُ به نفسَه كفَر، وليس فيما وصف اللهُ به نفسَه، أو وصفَه به رسولُه تشبيهٌ ولا تَمثيلٌ

                       (شرح العقيدة الواسطيّة: 19)

﴿المُحْكَم والمُتشابِه﴾

قال الله تعالى: ﴿هو الذي أنْزلَ عليكَ الكتابَ منه آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنّ أمُّ الكتابِ   وأُخَرُ مُتشابِهاتٌ.فأمّا الذين في قلوبِهم زَيْغٌ فيتّبِعونَ ما تَشابهَ منه ابْتِغاءَ الفتنةِ وابتِغاءَ تأيلِه، ومايَعْلم تأويلَه إلاّ اللهُ، والرَاسِخونَ في العلْمِ يقولونَ آمنَّا به، كلُّ مِنْ عندِ ربِّنا وما يَذَّكّرُ       إلاّ أولُواالألْبابِ﴾. – ال عمران:7 –

          حكَى ابنُ حبيب النيسابوري في المسئلةِ ثلاثةَ أقوالٍ:أحدها-أنّ القرآنَ كلَّه مُحْكمٌ لقوله تعالى:﴿كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُه﴾ هود: 1. الثاني-كلُّهُ مُتَشابِهٌ لقوله تعالى: ﴿ اللهُ نَزّلَ أحْسَنَ الحْديثِ كِتابًا مُتَشابِهًا﴾ الزمر : 23 . الثالث – وهوالصحيحُ – انقِسامُه إلى مُحْكَمٍ ومُتَشابِهٍ للآيةِ المُصَدَّرِبِها. والجوابُ على الآيتين أنّ المرادَ بإحْكَامِه إتْقانُه وعدمُ تَطرُّقِ النقْصِ والاخْتلافِ إليه، وبتَشا بُهِه كونُه يُشْبِهُ بعضُه بعضًا في الحقّ والصدْقِ والإعْجازِ.

       وقداخْتُلِف في تَعْيين المحْكَمِ والمُتَشابِه على أقوالٍ. فقيل: المحكمُ ماعُرِف المرادُ منه إِمّا بالظُهور ِوإِمّا بالتأويل،والمتشابِهُ مااسْتَأثراللهُ بعلمه كقيام الساعةِ والحروفِ المقطّعةِ في أوائل السُوَرِ. وقيل: المحكمُ ماوَضَح معناه، والمتشابِهُ نقيضُه. وقيل: المحكمُ ماكان مَعْقولَ المعنى، والمُتشابِهُ بخِلافِه قاله الماورديّ. قال ابنُ أبي حاتِم: وقد رُوي عن عكرمةَ وقتادةَ وغيرِهما أنّ المحكمَ الذي يُعْمَل به، والمتشابهَ الذي يُؤْمَن به ولا يُعْمَل به.

       واختُلِف هل المتشابهُ مما يمكن الاطِّلاعُ على علمِه أولا يَعْلم تأويلَه إلاّ اللهُ ؟ على قولين مَنْشؤهُما الاختلافُ في قوله تعالى﴿ والراسِخونَ في العلم﴾ هل هو معطوفٌ و﴿ يَقولونَ﴾ حالٌ، أومُبْتدأٌ خبرُه ﴿ يَقولونَ والواوُ للاسْتِئْنافِ؟. وعلى الأوّل طائفةٌ يسيرةٌ منهم مُجاهدٌ وهو روايةٌ عن ابن عبّاسٍ، واختارَ هذا القولَ النووي فقال في شرح مسلم: إنّه الأصحُّ. وأمّا الأكثرونَ من الصحابةِ والتابعينَ وأتباعِهم ومَنْ بعدَهم خصوصًا أهل السنّةِ فذَهبوا إلى الثاني، وهو أصحُّ الرواياتِ عن ابن عبّاسٍ.

       قلتُ:ويَدلّ لصحّةِ مذهبِ الأكثرينَ ماأخرجه عبدُ الرزّاق في تفسيره والحاكمُ  في مُسْتَدْرَكِه عن ابن عبّاسٍ أنّه كان يَقْرأ﴿وما يَعْلم تأويلَه إلاّ اللهُ ويقولُ الراسخونَ في العلم آمنّابه﴾.فهذا يدلّ على أنّ الواوَ للاسْتِئْنافِ، لأنّ هذه الروايةَ وإن لم تثبُتْ بِها القراءةُ فأقلُّ درجتِهاأن تكونَ خبرًا بإسنادٍ صحيح إلى تُرْجُمانِ القرانِ، فيُقدَّم كلامُه في ذلك على مَن دُونه. ويُؤيٍّد ذلك أنّ الأيةَ دلّتْ على ذِمّ مُتّبِعي المُتَشابِه ووَصْفِهم بالزَيْغ وابتغاءِ الفتْنةِ، وعلى مَدْحِ الذين فوّضُوا العلمَ إلى اللهِ وسلّّمُوا إليه، كما مدَح اللهُ المؤمنينَ بالغيبِ.وحَكى الفَرّاء أنّ  في قراءة أبيِّ بنِ كعبٍ أيضًا         ﴿ويقولُ الراسخونَ ﴾

وأخرجَ الشيخان وغيرُهما عن عائشةَ قالت: تلا رسولُ الله B هذه الآيةَ ﴿هو الذِي أنْزَلَ الكتابَ﴾ إلى قوله تعالى ﴿أولُوا الألْبابِ﴾ قالت: قال رسول الله B: ﴿ فإذَا رأيتَ الذين يَتّبِعونَ ما تَشابهَ منه فأولئكَ الذينَ سمَّى اللهُ فاحذَرْهُمْ﴾.وأخرجَ ابن مردويه من حديث عمروبْنِ شعيب عن أبيه عن جدّه عن رسول الله B قال: “إِنّ القرآنَ لم يُنَزَّلْ لِيُكذِّبَ بعضُه بعضًا،    فما عَرَفْتم منه فاعْمَلوا به، وما تشابَه فآمِنُوا به” وأخرجَ ابنُ أبي حاتِم عن عائشةَ قالت: كان رسُوخُهم في العلم أن آمَنُوا بِمُتشابِهه ولا يَعْلمونَه. وأخرجَ الدارِمي عن عمرَ بْنِ الخطّابِ قال: إنّه سَيأتيكم ناسٌ يُجادِلُونكم بِمُشْتَبِهاتِ القرآنِ، فخذُوهم بالسُنن، فإنّ أصْحابَ السُنن أعْلمُ بكتابِ الله. فهذه الأحاديثُ والآثارُ تَدلّ على أنّ المتشابِهَ مِمّا لا يَعْلمه إلاّ اللهُ، وأنّ الخوضَ فيه مذمومٌ.

ومن المُتشابِه آياتُ الصفاتِ، نحو﴿الرحمنُ على العَرْشِ اسْتَوَى﴾ طه:5، و﴿وكلُّ شَيْءٍ هالكٌ إلاّ وجهَه﴾– القصص:-88، و﴿ يدُ اللهِ فوقَ أَيْدِيهم﴾– الفتح:10-، ونحو ﴿والسمواتُ مَطْوِيَّاتٌ بيَمينِه﴾– الزمر:67-. وجمهورُ أهلِ السنّةِ منهم السلفُ وأهلُ الحديثِ على الإيْمان بِها وتَفْويضُ مَعْناها المُرادِ منها إلى الله تعالى.أخرجَ أبو القاسمِ اللالَكائِيّ في”السنّة” من طريق قُرّةَ بْنِ خالدٍ عن الحسن عن أمِّه عن أمِّ سَلَمةَ في قوله تعالى ﴿الرحمنُ على العرشِ استَوَى﴾ قالت:الكيفُ غيرُ مَعْقولٍ، والإستِواءُ غيرُ مَجْهولٍ، والإقرارُ به من الإيْمان، والجُحودُ به كفرٌ. وأخرجَ ايضاً عن مالكٍ أنّه سُئِل عن الآية فقال: الكيفُ غيرُ مَعقولٍ، والاستواءُ غيرمجهولٍ، والإيمانُ به واجبٌ، والسؤال عنه بدعةٌ.

وأخرجَ البيهقي عنه أنّه قال: هوكما وَصَفَ نفسَه. وأخرجَ اللالَكائيّ عن محمّد بْنِ الحسن قال: اتّفقَ الفقهاءُ كلُّهم من المشرقِ إلى المغربِ على الإيمان بالصفاتِ من غيرتفسيرٍ ولا تشبيهٍ.وذهبَتْ طائفةٌ من أهل السنّةِ إلَى أنّنا نُؤَوِّلَها على مايليقُ بجلالِه تعالى، وهذا مذهبُ الخَلفِ. وكان إمامُ الحرمينِ يَذْهب إليه ثمّ رجَع عنه، فقال في “الرسالةِ النِظاميّةِ”:الذي نَرْتَضِيه ونَدِين اللهَ به اتِّباعُ سلفِ الأمّةِ، فإنّهم دَرَجُوا على ترْكِ التَعرُّضِ لمَعانيها.وقال ابنُ الصَلاحِ:على هذه الطريقةِ مَضى صَدْرُ الأمّةِ وساداتُها، وإيّاها اخْتارَ أئِمّةُ الفُقهاءِ وقاداتُها،وإليها دَعاأئمّةُ الحديثِ وأعْلامُه، ولا أحدٌ من المتكلّمينَ مِن أَصْحابِنا يَصْدِف عنها ويَأْباهَا

( الإتقان في علوم القرآن : 2/ 2 وما بعدها مختصرا)

}  ردُّ المحدَثاتِ في الدين {

 

عن عائشةَ رضي الله عنها، قالَتْ: قال رسول الله  e: مَنْ أَحْدَثَ في أمْرِنَا ماليْسَ  فيه فَهُوَ ردٌّ متّفق عليه.ولفظُ مسلم “ماليْسَ منه”وعنها رضي الله عنهاأنّه e قَال:”مَنْ عمِل عَمَلاً ليْسَ عليه أمْرُنا فهوردٌّ “رواه مسلم. قال الإمام النوويّ رحمه الله: قال أهلُ العربيّةِ :الردُّهنا بِمعنى المَرْدودِ، ومعناه: فهوباطلٌ غيرُ مُعْتدٍّبه. وهذا الحديثُ قَاعدةٌ عظيمةٌ مِنْ قواعدِ الإسلامِ، وهو من جَوامعِ كَلمِهe ، فإنّه صريحٌ في ردِّ كلِّ البِدعِ والمخترَعاتِ.

       وفي الروايةِ الثانيةِ زيادةٌ، وهي أنّه قد يُعانِد بعضُ الفاعلين في بدعةٍ سُبِق إليها، فإذا احْتُجَّ عليه بالروايةِ الأولى يقول: أناماأحْدَثْتُ شيئًا، فيُحْتَجُّ عليه بالثانية التى فيهاالتصريحُ بردِّ كلِّ المحدَثاتِ، سواءٌ أحْدَثَها الفاعلُ أوسُبِق بإحْداثِها. وفي الحديث دليلٌ لمَنْ يقولُ من الأصوليّين إنّ النهيَ يَقْتضي الفسادَ، ومن قال لا يَقْتضي الفسادَ يقول: هذا خبرُ واحدٍ ولا يَكْفي لإثْباتِ هذه القاعدةِ المهمّةِ، وهذا جوابٌ فاسدٌ. ( شرح مسلم : 12 / 16 ).

ومن أعْظمِ المحدَثاتِ الصلاةُ عند القبور، واتّخاذُها مساجِدَ، أوبناءُ المساجد عليها.   فقدتواترتْ النصوصُ عن النبيّe  بالنهي عن ذلك، والتغليظِ فيه (الاقتضاء :328–إغاثة اللهفان:1/  185).  أمّاالصلاةُ عندالقبورِفَلِقولهe :”لاتُصلّوا إلى القبورِ ولاتَجْلِسواعليها”رواه مسلم وأصحاب السنن إلاّ ابنَ ماجه عن أبي مرثد الغنويّ. قال النوويّ رحمه الله : قال أصحابُنا:ويُكْره أن يُصلي إلى القبرِ، هكذا  قالوا يُكْره، ولوقيلَ يَحْرم-لحديث أبى مَرْثَد وغيرِه ممّاسَبق-لم يَبْعُدْ.قال صاحبُ التتمّةِ: وأمّا الصلاةُ عند رأسِ قبرِ رسولِ الله e  مُتوجِّهًا إليه فحرامٌ ( شرح المهذب : 3/  161)

وقال الشيخ زينُ الدين: وتحرُم الصلاةُ لقبرِنبيٍّ أونحوِ وليٍّ تبرّكًا أوإعْظامًا (فتح المعين مع الإعانة: 1/195). وعلى الجملة تَحْرم الصلاةُ إلى قبورِ الأنبياءِ والأولياءِ تبرّكًا وإِعْظامًا، وكذا الصلاةُ عليها للتبّركِ والإِعظامِ كماصَرّح به الإمامُ النووي في شرح المهذّب، وليس معنى الإعْظامِ أنْ تُقْصَد أربابُ القُبورِ بالسجودِ، فإنّه كفرٌ صراحٌ، بَلْ المعنَى بتَحَرِّيه الصلاةَ لله تعالى علىهذا الوجهِ زاعمًاأنّه أرْجَى للقَبولِ عند الله تعالىببركةِ صاحبِ الضَريحِ يكون قد أعْظَمَ من شأنِ هذا الوليِّ، وهذا يَقَع كثيرًا من العامّةِ (الإبداع : 190). ومعلومٌ قطعًا أنّ هذا ليس لأجْلِ النجاسةِ، لأنّ قبورَالأنبياء مِنْ أطْهَرِالبقاعِ، فإنّ اللهَ حَرّم على الأرض أن تأكلَ أجْسادَهم.( إغاثة اللهفان:1/187). وأيضًا أنّ المَقْبرةَ ليسَتْ بموضعِ الصلاةِ. قال e “إجْعَلوا مِنْ صلاتِكم في بُيوتِكم، ولا تَتّخِذوها قُبورا متفق عليه. قال الحافظ ابن حجر: وقد نَقل ابنُ المُنْذِر عن أكثرِ أهلِ العلمِ أنّهم اسْتَدلّوا بـهذا الحديثِ  على أنّ المَقْبرةَ ليسَتْ بموضعِ الصلاةِ، وكذا قال البغوي في شرح السنّةِ والخطّابي. (فتح الباري : 2/ 95)

﴿ردُّ المحدثاتِ: تابع 1﴾

وقال العلاّمة الهيتميّ رحمه الله : وتَحْرم الصلاةُ إلى قبورِ الأنبياءِ والأولياءِ تبرّكًا وإعْظامًا   كماذكره الأذرَعي وغيرُه، ولايُنافيه قولُ التحقيقِ” تُكْره الصلاةُ إلى قبرِ غيرِه e” لأنّه مَحْمولٌ         – كما هو ظاهرٌ- على مَنْ لَم يُرِدْ تعظيمَ القَبْرِ بذلك، بل ربّما يكون ذلك كفرًا، والعياذُ بالله.

(حاشية الهيتمي على شرح الإيضاح للنووي : 520)

وأمّا اتّخاذُها مساجدَ فلِقولِه e:”لعنةُ الله على اليهود والنصارى، اتّخَذُوا قبورَ أنْبيائِهم مساجدَ، يُحَذِّر ماصَنَعوا”متّفق عليه. وقولِه e فى مرضِه الذي لَم يقُمْ منه :“لعَن الله اليهود والنصارى، اتّخَذوا قبورَ أنبيائِهم مساجدَ، ولولا ذلك لأُبْرِزَ قبرُه، غيرَ أنّه خُشِي أن يُتَّخذَ مسجدًا”متّفق عليه.    وقولِه e: “إِنّ من كان قبلكم كانوا يَتّخِذون قبورَ أنبيائِهم وصالحيهم مساجدَ، ألافلاتتخِذوا القبورَ مساجدَ، إنّي أنْهاكم عن ذلك “ رواه مسلم. والأحاديث فى هذا المعنى مُسْتَفيضَة.

واتِّخاذُ القُبور مساجدَ أعمُّ من أن يكونَ بمعنى الصلاةِ إليها أوبمعنى الصلاةِ عليها، والظاهرُ       أَنّ  العلّة  سَدُّ  الذريعةِ  والبعْدُ  عن التشبُّهِ  بعَبَدَةِ  الأوْثانِ  الذين  يُعظِّمون  الجماداتِ  التى  لا تَسْمع ولا تَنْفع ولاتَضرّ، ولِما فى إنفاق المالِ فى ذلك من العَبَث والتَبْذيرالخالي عن النفْعِ بالكلّيّة،  ولأنّه سببٌ لإيقادِ السُرُج عليها المَلْعونِ فاعلُه (سبل السلام : 1/152). قال الإمام الشافعي رحمه الله:وأكرَه أن يُعظِّم مخلوقٌ حتّى يُجْعلَ قبرُه مسجدًا، مَخافةَ الفتنةِ عليه وعلى مَنْ بعدَه من الناسِ (المهذّب مع المجموع : 5/280)  وقال الأمام النووى رحمه الله: قال العلماء: إنّما نَهى النبيُّ e عن اتّخاذِ قبرِه وقبر غيره مسجدًا خوفًا من المبالغةِ فى تعظيمِه والافْتِتانِ به، فربّما أَدّى ذلك إلى الكفر كما جَرى لكثيرٍ من الأمم الخاليةِ.

(شرح المسلم : 5/13)

وأمّابناءُ المساجدِ   عليها فلِقولهe:“إنّ أولئك إذا كان فيهم الرجلُ الصالحُ فماتَ، بَنَوْا على قبره مسجدًا، وصَوّرُوا فيه تلك الصُوَرَ،  فأولئك شِرارُ الخلقِ عند اللهِ يومَ القِيامةِ”متّفق عليه. وعلى هذا  قال العلاّمة ابن حجر رحمه الله فى الزَواجِر:   وتجبُ المبادرةُ لـهَدْم المساجدِ والقُباب التي على القبور، إِذهي أَضَرُّ من مسجد الضِرار، لأنّها أُسِّسَتْ على مَعْصيةِ رسول اللهe، لأنّه نَهى عن ذلك وأمَرe بـهَدْم القُبورِ المُشْرِفة، وتجب إزالةُ كلِّ قِنْديلٍ أوسِراجٍ على قَبْرٍولا يصحُّ وَقْفُه ونَذْرُه.انتهى. (الإبداع: 187)

قال النبي e لعليٍّ t:” لاتَدَعْ تِمْثالاً الاّ طَمَسْتَه، ولاقَبْرًا مُشْرِفًا إلاّ سَوَّيْتَهُ” رواه مسلم . وعن ابن عبّاسٍ t قال:” لَعَن رسولُ الله e زائراتِ القُبورِ والمتّخِذِين عليها المساجدَ والسُرُجَ” رواه الإمام أحمد وأصحاب السنن. واعلَمْ أنّ المَقْبورينَ من الأنبياءِ والصالحينَ يَكْرَهون ما يُفْعَل عندهم كُلَّ الكراهةِ،  كما أنّ المسيحَ يَكْره ما يَفْعلُه النصارى به، وكما كان أنبياءُ بني إسرائيلَ يَكرَهون ما يَفْعله الأتباعُ. وذلك أنّ القلوبَ إذا اشْتَغَلتْ بالبِدَع أَعْرَضَتْ عن السُنن، فتَجد أكثرَ هؤلاءِ العاكفينَ على القبورِ مُعْرِضين عن سُنّةِ ذلك المَقْبورِ وطريقِه. (الاقتضاء : 381)

) ردُّ المحدثاتِ :تابع 2(

ومِنْ ذٰلك اتِّخاذُها عيدًا. والعيدُ ما يُعْتاد مجيئُه وقصْدُه من مكانٍ وزمانٍ. فأمّا الزمانُ فكقوله r “يومُ عرفةَ ويومُ النحرِ وأيَّامُ منى عيدُنا أهْلَ الإسلامِ” رواه أبو داود وغيره. وأمّا المكانُ فكَما رَوى أبو داود في سننه أنّ رجلاً قال: “يارسول الله،إنّي نذرتُ أن أنْحَرَ إبلاً بِبُوانةَ،فقال:”أبِها وثنٌ من أوثانِ المشركين، أو عيدٌ من أعْيادِهم”؟ قال: لا، قال :”فأوْفِ بنَذْرِك” ورواه أيضا الإمام أحمد وابن ماجه وابن أبي شيبةَ. والعيدُ مأخوذٌ من المُعاوَدة والإعْتِيادِ.

واتِّخاذُ القبورِ عيدًا هو من أعْيادِ المشركينَ التي كانوا عليها قبل الإسلام، وقد نَهى عنه رسول الله r في سيِّد القبورِ مُنَبِّهًا به على غيره. قال r:” لا تَجْعَلوا قَبْري عيدًا، وصَلّوا عليَّ  فإنّ صلاتَكم تَبْلُغني حيثُ كنتم”. رواه أبو داود بإسْناد صحيح، ورواه أحمد والنسائي.( إغاثة اللهفان:0 19 مختصرا )

وقوله r “لاتَجْعلوا قَبْري عيدًا” أي لا تَجْعلوه محلَّ اعْتِيادٍ تَعْتادُونه  “وصَلّوا عليَّ فإنّ صلاتَكم تَبْلُغني حيث كنتم”  أي لا تَتكلّفوا المُعاوَدةَ إليه فقد اسْتَغْنَيْتم عنها بالصلاةِ عليَّ.

 ( دليل الفالحين: 4/ 201 ).

ووجهُ الدلالةِ أنّ قبر رسول الله  rأفضلُ قبْرٍ على وجه الأرض، وقد نَهى عن اتّخَاذِه عيدًا،       فقبرُغيره أوْلَى بالنهي كائنًا مَنْ كانَ. وقد حَرَّف هذه الأحاديثَ بعضُ من أخَذَ شَبَهًا من النصارى بالشرك، وشبَهًا من اليهود بالتَحْريف، فقال: هذا أمْرٌ بمُلازمةِ قبره، والعُكوفِ عنده، واعْتِيادِ قَصْدِه وانْتِيَابِه، ونَهيٌ عن أن يُجْعَل كالعيد الذي إنّمايكون في العامِ مرةً أو مرّتَيْن. وهٰذا مُراغَمةٌ ومُحادّةٌ لله ومُناقَضةٌ لما قَصده الرسولُ r، وقَلْبٌ للحَقائق ونسبةُ الرسول r إلى التَدْليس والتَلْبيس.

وهٰكذا غُيِّرت دِيانةُ الرُسل، ولولا أنّ الله أقامَ لدينِه الأنصارَ الذَابِّين عنه لَجَرى عليه ما جَري على الأديانِ قَبْله. وهٰذا أفْضلُ التابعين من أهلِ بيتِه r عليُّ بْنُ الحسين رضي الله عنهما نَهى ذلك الرجلَ أن يَتَحرّى الدعاءَ عند قبرِه r، واسْتَدلَّ بالحديثِ. وهو الذي رواه وسَمِعه مِنْ أبيهِ الحُسين عن جدّه عليٍّ t، وهو أعلم بمعناه. وكذٰلك ابنُ عمِّه الحَسنُ بْنُ الحَسنِ شيخُ أهلِ بيتِه،كَرِه أن يَقْصد الرجلُ القبرَ إذا لَمْ يكن يُريدُ المسْجدَ، ورأى ذٰلك مِن اتّخاذِه عيدًا.

ثمّ إنّ في اتّخاذِها عيدًا من المَفاسدِ العظيمةِ التي لا يَعْلمها إلاّ الله تعالى ما يَغْضب لأجْله كلُّ من في قلبه وَقارٌ لله تعالى، وغَيْرةٌ على التوحيد، وتَهْجِينٌ للشِرْكِ.”ولكن مالجُرْحٍ ِبميّتٍ إِيلامٌ”. منها: الصلاةُ إليها، والطوافُ بِها، وتَعْفِيرُ الخُدودِ على تُرابِها، والاسْتغاثةُ بأصحابِها،وسؤالُهم النصْرَ والرزقَ وتَفْريجَ الكُرَباتِ، وغيرَ ذٰلك من أنْواعِ الطَلباتِ التي كان عُبّادُ الأوْثانِ يَسْألونَها أوْثانَهم. وكلُّ مَنْ شمَّ أدْنَى رائحةٍ من العلمِ والفقهِ يَعْلم  أنّ مِنْ أهَمِّ الأمورِ سدَّ الذَريعةِ إلى هٰذا المَحْذورِ.

 ( إغاثة اللهفان :1/ 192 وما بعدها مختصرا )

﴿خَوارِق الْعادةِ ﴾

    خَوارق العادةِ على أربعة أقْسامٍ: المعجزةُ المَقْرونةُ بدَعْوى النُبوّةِ  المَعْجوزُ عَنْ مُعارَضتِها الحاصلةُ بغيراكْتِسابٍ وتعلّمٍ. والكرامةُ، وهي ماتَظْهر على يدِكاملِ المُتابَعةِ لنبيِّه مِنْ غير تعلّمٍ ومُباشَرةِ  أعْمالٍ مخصوصةٍ، وتَنْقسم إلى ماهو إِرْهاصٌ وهو ما يَظْهر على يدِ النبيِّ  قبل دَعْوى النُبوّةِ، وما هو مَعونةٌ، وهومايَظْهر على يدِ المؤمنِ الذى لَم يَفْسُقْ ولَم يُغْتَرَّ به. والاسْتِدْراجُ، وهو ما يَظْهر على يد الفاسقِ المُغْتَرِّ. والسحْرُ، وهو ما يَحْصل بتعلّمٍ ومُباشرةِ سببٍ على يدِ فاسقٍ أوكافرٍ، كالشَعْوَذَةِ وهي خِفّةُ اليدِ بالأعْمالِ، وحَمْلِ الحياتِ ولَدْغِهاله، واللِعْبِ بالنارِ من غيرِتأثيرٍ، والطَلاسِمِ والتَعْزيماتِ المحرّمةِ، واستِخْدامِ  الجانِّ وغيرِ ذلك. إذا عَرَفْتَ ذلك علمْتَ أنّ مايَتعاطاهُ الذين يَضْربون صُدورَهم بدَبُّوسٍ أو سِكّينٍ، أويَطْعَنون أعْيُنَهم، أويَحْملون النارَ، أويأكلونَها، ويَنْتَمون إلى سيّدي أحمدَ الرِفاعيّ، اوسيّدي أحمدَبْنِ عُلْوانَ أوغيرِهما من الأولياءِ، أنّهم إن كانوا مُسْتقيميَن على الشريعةِ، قائمينَ بالأوامرِ، تاركينَ للمَناهي، عالمينَ بالفرضِ العَيْنيّ عاملينَ به ، ولَمْ يَتعلّموا السببَ  المُحصِّلَ لهذا العملِ، فهو مِنْ حِيَزِ الكرامةِ. وإلاّ فهو مِنْ حِيَزِ السحْرِ، إذْ الإجْماعُ مُنْعقِدٌ على أنّ الكرامةَ لا تَظْهر على يدِ فاسقٍ، وأنّها  لاتَحْصل بتعلّمِ أقْوالٍ وأفْعالٍ، وأنّ مايَظْهر على يدِ الفاسقِ من الخوارِقِ من السحْرِ المُحرَّمِ تعلّمُه وتَعْليمُهُ، ويجبُ زَجْرُ فاعِلِه ومُدّعِيه. ( بغية المسترشدين : ص 299 )

     قال العلاّمة ابْنُ حجر الهيتمي في أصحاب الكرامات: ليس ذَوُو الكراماتِ أفْضلَ من غيرهم         على الإطْلاقِ. ثمّ قال: وإنّما مَنْشأُ الأَفْضليّةِ قوّةُ اليقينِ وكمالُ المعرفةِ بالله تعالى، فكلُّ من كان أقْوَى يقينًا وأكْملَ معرفةً كان أفْضلَ. ولهذا قال سيّدُ الطائفةِ أبو القاسمِ الجُنَيْد قَدّس الله سرَّه: مَشى رِجالٌ بالْيقينِ على الماءِ، وماتَ بالعَطْش مَنْ هو أفْضلُ منهم يقينًا. ( الفتاوى الحديثيّة : 264 مختصرا )

     وقال ابْن أبى العزّ رحمه الله: إنّ عدمَ  الخوارقِ علْمًا وقدرةً  لاتَضرّ المسلمَ في دينه، بل قد يكونُ عدمُ ذلك أنْفعَ له، فإنّ الخارقَ قد يكونُ مع الدينِ، وقد يكون مع عدمِه أو فَسادِه أو نَقْصِه، فالخوارِقُ النافعةُ تابعةٌ للدين، خادمةٌ له .( شرح العقيدة الطحاوية : 497 مختصرا )

وقال الشيح أبو الحسن الشاذليّ رحمه الله: إنّ الله عزّ وجلّ ضَمِن لك العِصْمةَ في جانب الكتابِ والسنّةِ.  وقد كان السلفُ y يَرَوْنَ في اليَقْظةِ أشْياءَ، ثمّ لايَرْجِعون إليها إلاّ بعد عَرْضِهم ذلك على الكتابِ والسنّةِ، كالطَيَرانِ في الهواءِ والمَشْيِ على الماءِ إلى غير ذلك . وقد قال إمامُ هذه الطائفةِ اْلجُنَيْدُ رحمه الله :   إذا رأيتم الرجلَ يَمْشي على الماءِ ويَطيرُ في الهواءِ فلا تَلْتَفِتوا إليه، فإِنّ الشيطانَ يَطير من المشرقِ إلى المغربِ ويمشى على الماء، ولكنْ انْظُروا في اتّباعهِ الكتابَ والسنّةَ، فإنّ الشيطانَ لايَقْدر على ذلك أبدًا. وكان الإمام أبو محمّد رحمه الله يقول: إنّ أكبرَ الكراماتِ في هذا الزمانِ اتّباعُ السنّةِ والْعَضُّ عليها بالنَواجذِ، والتَشْميرُ لامْتِثالِ ما وردَتْ به فى كلّ وقتٍ وأَوانٍ .  ( المدخل : 4 / 294 )

 

﴿تابعُ مسْئلةِ الكرامةِ ﴾

تَقدّم أنّ الكرامةَ ما تَظْهر على يدِ كاملِ المتابَعةِ لنبيِّهr ، وأنّها تكونُ من غير تعلّمٍ ومُباشَرةِ أعْمالٍ مخصوصةٍ، وأنّها من الخوارقِ، والخوارقُ قد تكونُ مع الدين، وقد تكونُ مع عدمِه أو فسادِه أو نقصِه، بل قد يكونُ عدمُها أنْفعَ للمسلمِ . ولِهٰذا قال أبوعليٍّ الجُوْرجانيّ : كُنْ طالبًا للاسْتقامةِ، لاَ طالبًا للكرامةِ، فإنّ نفسَك متحرِّكةٌ في طلبِ الكرامةِ، وربُّك يَطْلب منْك اللاسْتِقامةَ .

وقال الشيخ السُهْرورديّ في“العوارف”: وهذا أصلٌ كبيرٌ في هذا البابِ، فإنّ كثيرًا من المجتهدين المتعبّدين سمِعوا بالسلَفِ الصالحين المتقدِّمين، ومَا مُنِحُوا به من الكرامات، فنفوسُهم لاتَزال تَتَطَلّع إلى شيء من ذلك، ويُحبّون أن يرْزقوا شيئًا منه – ولعلّ أحدُهم يَبْقى منْكسِرَ القلبِ، مُتّهِمًا لنفسه  في صحّةِ عملِه حيث لَم يَحْصل له خارقٌ – ويَعدّون مجرّدَ خرقِ العادةِ لأحدِهم كرامةٌ من الله له، ولا يَعْلمون أنّه في الحقيقةِ إنّما الكرامةُ لُزومُ الاستقامةِ، وأنّ الله تعالى لَم يُكْرِمْ عبْدًا بكرامةٍ أعْظم من مُوافقتِه فيما يحبُّه ويَرْضاه، وهو طاعتُه وطاعة رسولِه، ومُوالاةُ أو ليائِه، ومُعاداةُ أعدائِه. وهؤلاء هم أولياء اللهِ الذين قال اللهُ فيهم:﴿ألا إِنّ أولياءَ اللهِ لا خوفٌ عليهم ولاهم يَحْزنون. الذين آمنوا وكانوا يتّقون﴾  يونس : 63 ، 64 .

وفي الحديث الصحيح الذي رواه البخارى وغيره عن أبي هريرة t عن النبى r قال :      “يقول الله تعالى: مَنْ مارَى لي وليًّا فقد آذَنْتُه بالحربِ، وما تقرّب إليّ عبدي بمثل أداءِ ما افْترَضْتُ عليه، ولا يزالُ عبدي يتقرّبُ إليّ بالنوافلِ حتّى أُحِبَّه، فإذا أحْبَبْتُه كنتُ سَمْعَه الذي يَسْمع به، وبَصَرَه الذي يُبْصِر به، ويدَه التي يَبْطِش بِها، ورِجْله التي يَمْشي بِها، ولئِنْ سَألني لأُعْطِيَنّه، ولئِنْ اسْتَعاذني لأُعِيذَنّه، وما تردَّدْتُ عن شيءٍ أنا فاعِلُه تردُّدِي عن قَبْضِ نفسِ عبدي المؤمنِ ، يَكْرَه الموتَ وأكرَه مَساءتَه، ولابدَّ له منه”.

فظهرَ أنّ الاستقامةَ حظُّ الربِّ ، وطلبَ الكرامةِ حظُّ النَفْسِ. وقولُ المعتزلةِ في إنكار الكرامةِ ظاهرُ البُطْلانِ، فإنّه بمَنْزِلةِ إنكار المَحْسوساتِ. وقولُهم: لوصحَّتْ لأَشْبهَتْ المعجزةَ، فيُؤدّي إلى الْتِباسِ النبيِّ بالوليّ، وذلك لايجوزُ. وهذه الدعوَى إنّما تصحّ إذا كان الوليُّ يأتي بالخارقِ ويَدّعِي النُبوّةَ،  ولو ادَّعَى النبوّةَ لَم يكنْ وليًّا، بل كان مُتنبِّئًا كذّابًا .( شرح العقيدة الطحاوية: 465 وما بعدها مختصرًا )

قال أبوعثمان النيسابوري:من أمّرَ السنّةَ على نفسِه نطقَ بالحكمةِ، ومَنْ أمّرَ الهَوى على نفسِه نطقَ بالبدعةِ : لأنّ الله تعالى يقول : ﴿ٰ وإن تُطِيْعُوهُ تَهْتَدُوا  النور : 54 .

                                                                                                            ( الفرقان : 58 )

 ) القُطْبُ الغَوْثُ الفَرْدُ الجامعُ (

       وأمّا سؤالُ السائِل عن“القطْبِ الغوْثِ الفرْدِ الجامِع” فهٰذا قد يقوله طوائفُ من الناس، ويُفسِّرونه بأمورٍ باطلةٍ في دين الإسلام، مثل تفسيرِبعضِهم أنّ “الغَوْثَ ” هو الذي يكونُ مَدَدَ الخلائِق بواسطتِه فى نَصْرهم ورِزْقهم، فهٰذا من جنْسِ قولِ النصارى فى المسيح عليه السلام،  والغاليةِ في عليٍّ t

       وكذٰلك مايقوله بعضُهم مِنْ أنّ في الأرضِ ثَلاثَمِائةٍ وبِضْعةَ عشرَ رجلاً يُسَمّونـهم “النُجَباءَ” فَيُنْتَقى منهم سبعونَ هم “النُقَباءُ”، ومنهم أرْبعونَ هم “الأبْدالُ”، ومنهم سبعةٌ هم “الأقْطابُ” ومنهم أربعةٌ هم “الأَوْتادُ”، ومنهم واحدٌ هو“الغَوْثُ” وأنّه مقيمٌ بمكّةَ. وأنّ أهْلَ الأرضِ إذا نابَهم نائبةٌ في رِزْقهم ونَصْرهم فَزِعُوا إلى الثَلاثِمائةِ وبِضْعةَ عشرَ رجلاً، وأولئك يَفْزَعون إلى السبعينَ، والسبعونَ إلى الأربعينَ، والأرْبَعون إلى السبعةِ، والسبعةُ إلى الأربعةِ، والأربعةُ إلى الواحدِ.

       وهٰذا كلُّه باطلٌ لا أصلَ له في كتابِ الله ولاسنّةِ رسولِه، ولاقاله أحدٌ من سلفِ الأمّةِ ولاأئمّتِها، ولامن المَشايخِ الكبارِ المتقدِّمينَ الذينَ يَصْلُحون للاقْتداءِ بـهم. ومعلومٌ أنّ سيّدَنارسولَ ربِّ العالمينَr، وأبابكرٍ وعمرَ وعثمانَ وعليًّاy كانوا خيرَ الخلقِ، وكانوا بالمدينةِ ولَم يكونوا بمكّةَ، وأنّهم عند النوازلِ إنّما يدعونَ الله وحده لاشريكَ له، لايُشْرِكون به شيئًا، بل كان المشركونَ في جاهِليّتهم يَدْعونه بلاواسطةٍ فَيُجِيبُهم اللهُ. قال الله تعالى: }قُلْ أرأيْتُمْ إِنْ أتاكم عذابُ اللهِ أوأتَتْكم الساعةُ أغيرَ اللهِ تَدْعون    إن كنتم صادقينَ، بل إيَّاهُ تدعونَ فيَكْشِف ماتدعونَ إليهِ إن شاءَ وَتَنْسَوْنَ ماتُشْرِكونَ{ الأنعام : 40 -41.

       والنبيُّ r  اسْتَسْقَى لأصحابه بصلاةٍ وبغير صلاةٍ،  وكان يَقْنُت في صلاته فيَسْتَنْصِر  على المشركينَ، وكذٰلك خُلفاؤُه الراشدونَ بعده، وكذلك أئمّةُ الدينِ ومَشايخُ المسلمين، ومازالُوا على هذه الطريقةِ. وقد حُكي عن بعض الأكابر من الشُيوخ المُنْتَحِلين لِهٰذا أنّ “القُطْبَ الغَوْثَ الفَرْدَ الجامعَ” يَنْطَبِق علمُه على علم الله تعالى، وقدرتُه على قدرةِ الله تعالى، فَيَعْلم مايَعْلمه الله، ويَقْدر على ما يَقْدرعليه الله. وهٰذا كفرٌ صريحٌ وجهلٌ قبيحٌ. قال الله تعالى: } قُلْ لا أقولُ لكم عندي خَزائِنُ الله، ولاأعلمُ الغَيْبَ ولا أقولُ لكم إنّي مَلَكٌ{ الأنعام : 50. وقال تعالى :} قُلْ لاأمْلِكُ لنفسِي نفعًا ولاضرّاً إلاّ  ما شاءَ اللهُ، ولوكنْتُ أعْلمُ الغَيْبَ لاَسْتَكْثرْتُ من الخيرِ ومامَسّنِي السوءُ إِنْ أنا إلاّ نذيرٌ وبَشيرٌ لقومٍ يؤمنونَ{  الأعراف : 188.

(مفاهيم يجب أن توضح : 39 ومابعدها مختصرا)

)محمّدٌرسول الله r يجب على الثَقلَيْن اتِّباعُه(   

       وممّايجب أن يُعْلم أنّ الله تعالى بَعث محمّداًe إلى جميع الإِنْسِ والجنِّ، فلم يَبْقَ إنْسيٌّ  ولاجِنّيٌّ إلاّ وجَب عليه الإيمانُ بِمُحمّدٍ e وإتِّباعُه، فعليه أنْ يُصدِّقَه فيماأخْبَر وَيُطيعَه فيماأمَر. ومحمَّدٌ e مبْعوثٌ إلى الثقَلَيْن باتّفاقِ المسلمينَ، وقد اسْتمعَتْ الجنُّ للقرآنِ، ووَلَّوْا إلى قومِهم مُنْذرِينَ. قال الله تعالى: ﴿ قُلْ أُوحِيَ إليَّ أنّه اسْتَمع نَفَرٌمن الجِنِّ فقالوا إِنّا سَمِعْنَا قرآناً عَجَباً، يَهْدي إلى الرُشْدِ فآمنَّا به ولَنْ نُشْرِكَ بربّنَا أحدًا﴾  سورة الجن : 1-2  ( الفرقان: 152 مختصرا ).

قال العلاّمة الصاوي رحمه الله:سورةُ الجنِّ أي التي ذُكِرتْ فيها قصّةُ إيمانِ الجنِّ برسول اللهe        لأنّ رسالتَه عامّةٌ للإنْسِ والجنّ . (حاشية الصاوي: 4/  330

        ولِهٰذا قال الإمام أبو الحسن النوويّ قرينُ الجنَيْدِ رحمهما الله: مَنْ رأيتَه يَدّعِي مع الله تعالى حالةً تُخْرِجه عن حدِّ العلمِ الشرعيّ فلا تَقْرَبَنَّ منه، فإنّه مُبْتَدِعٌ، لأنّ مَنْ لَمْ تَشْهَدْ الشريعةُ لأَفْعالِه وأقْوالِه فهومُبْتدِعٌ، وإِنْ جَرَتْ عليه أحوالٌ خارقةٌ للعادة، لأنّ ذلك من جُمْلة المَكْرِبه. (الإبداع : 304)

ومن ادّعَى أنّ من الأولياءِ الذين بلغَتْهم رسالةُ محمّدٍ e مَنْ له طريقٌ إلى الله تعالى لايَحْتاج فيه إلى محمّدٍ e، فهذا كافرٌ مُلْحِدٌ. وإذا قال : أنا محتاجٌ إلى محمّدٍ e في علم الظاهرِ دونَ علمِ الباطنِ، أوفي علم الشريعةِ دونَ علم الحقيقةِ، فهو شرٌّ من اليهود والنصارَى الذينَ قالوا: إنّ محمَّداً رسولٌ إلى الأُمّيّينَ دون أهلِ الكتابِ، فإنّ أولئك آمنُوا ببعضٍ وكفَروا ببعضٍ، فكانوا كفّاراً بذلك.

( الفرقان: 73)

        كيفَ يكونُ ذلك، والنبيُّ e قال:“والذي نفسي بيده، لوأنَّ موسى كانَ حيًّا ماوَسِعَه إلاّ       أنْ يَتّبِعَني”رواه الإمام أحمد وغيره بإسناد صحيح. فمن نَدَب إلى شيءٍ يُتَقَرّب به إلى الله أوأوْجَبه بقوله أوفعلِه مِنْ غيرأن يَشْرَعَه اللهُ فقد شَرَع من الدينِ مالَم يأذَنْ به اللهُ، ومَنْ اتّبعَه في ذلك فقد   اتّخذَهُ شريكاً لله. ( الاقتضاء: 267)

        قال الله تعالى: ﴿ أَمْ لَهُمْ شُركاءُ شَرَعُوا لَهُمْ من الدينِ مالَم يأذَنْ به الله﴾ الشورى : 21      قال ابنُ جرير رحمه الله : أم لهؤلاءِ المشركين بالله شُركاءُ في شِرْكهم وضَلالتِهم إبتَدعُوا لَهم           من الدين مالم يُبِحْ اللهُ لهم ابْتِداعَه (تفسيرالطبري :  11 / 141)

ولايَخْفَى أنّ هذه الآيةَ وأمْثالهَا نَزَلَتْ في أيّامِ المشركينَ العرب وفي حقِّهم، بل القرآنُ كلُّه نَزَلَ        في تلك الأيّام، ولكِنَّ هذا الكتابَ الخالدَ خطابُ الله تعالى لعبادِه في كلّ زمانٍ ومكانٍ، وأوامِرُه   خالدةٌ يجب امْتِثالُها، ونَواهيه أبديّةٌ يَنْحَتِمُ اجْتِنابُها إلى يوم القيامةِ. فالعِبْرَةُ في القرآن بعمُومِ اللفْظِ لابخُصوصِ السَبَبِ . (رسالة التوحيد : 32 بتصرف)

) الإِخْلاصُ والْمتابَعةُ(

 

إنّ العبادةَ لا تَكون عملاً صالحًا إلاّ إذا تحقّقَ فيها شرطانِ: الإخلاصُ  والمتابعةُ، والمتابعة لا تتحقّقُ إلاّ إذا كان العملُ موافقًا للشريعة في أمورٍ ستةٍ:

 الأوّل:الموافقةُ في السَبب – فإذا تعبّد الإنسانُ لله تعالى بعبادةٍ مَقْرونةٍ بسببٍ غيرِ شرعيٍّ فهي بدعةٌ مردودةٌ عليه. وذٰلك كمن أحْيَا ليلةَ السابع والعشرين مِنْ رَجبٍ بالصلاةِ بحجّة أنّها الليلةُ التي عُرِجَ فيها برسول اللهr، فالتهجّدُ عبادةٌ مشروعةٌ، ولكنْ لماّ قُرِنَ بِهٰذا  السبب كان بدعةً.

 الثاني:الموافقةُ في الجنسِ– فإذا تعبّد لله تعالى بعبادةٍ غيرِ شرعيٍّ جنسُها فهي غيرُ مقبولةٍ، وذلك كمن ضحّى بفَرسٍ مثلاً، فلا يَصِحّ أُضْحِيَّةً لعدم موافقةِ الشريعةِ في الجنسِ.

الثالث:الموافقةُ في القدْرِ– فإذا تعبّد لله تعالى بصلاة الظهرِ خمسًا مثلاً،فإنّها لاتصحّ، لأنّها تخالفُ الشريعة في القَدْرِ. وكذٰلك الزيادةُ في المندوباتِ المحدودةِ شرعًا كما صَرّح به القَرافيّ في القواعد.

الرابع:الموافقةُ في الكيفيّة– فلو تَوضّأ، فَبَدأ بغسل رِجْلَيْه مثلاً، ثمّ مَسحَ رأسَه،ثمّ غسَل وجهَه،ويدَيْه، فوضوءُ ه باطل، لأنّه مُخالفٌ للشريعة في الكيفيّةِ.

 الخامس: الموافقة في الزمان – فلوأنّ أحدًا ضَحّى في أَوّل شَهْرِ ذي الحجّةِ أوفي شهرِ رمضانَ مثلاً تقرّبًا إلى الله تعالى، فالأضحيّةُ باطلة، لمخالفةِ الشريعةِ في الزمانِ، أمّا الذَبْحُ لأجلِ اللَحْمِ فجائزٌ.

السادس: الموافقةُ في المكان – فلو أنّ رجلاً اعتكفَ في غير مسجدٍ، فإنّ اعتكافَه لايصحّ، لمخالفةِ الشريعةِ في المكانِ، وكذٰلك الطوافُ بغير بيت الله.

( الإبداع في خطر الإبتداع:21 وما بعدها بتصرف بسيط)

وفي الصحيحين أنّ الطوافَ بغير بيت الله من أشْراطِ الساعةِ. قالr:”لاتقوم الساعةُ حتّى تَضْطرِبَ أَلَيَاتُ نساءِ دَوْسٍ على ذِي الخَلَصَةِ، وذو الخَلَصَةِ طاغيةُ دَوْسٍ التي كانوا يَعْبدونَ               في الجاهليّةِ” وفي رواية مسلم:”حولَ ذي الخَلَصَةِ” أي من الطواف حولَ ذي الخَلَصَةِ. قال ابن بطّال : هٰذا الحديثُ وما أشبَههُ ليس المرادُ به أنّ الدينَ يَنْقطع كلُّه في جميع أقطارِ الأرضِ حتّى لا يَبْقى منه شيءٌ، لأنّه ثبتَ أنّ الإسلامَ يَبْقى إلى قيام الساعةِ إلاّ أنّه يَضْعُف ويَعود غريبًا كما بَدأ.

( فتح الباري:14/485)

}النهْيُ عن مُخالَفةِ السنّةِ خشْيةَ كلامِ الناسِ{

       قال الإمام ابن الحاج رحمه الله: ولْيَحْذَرْ ممّا يَفْعله بعضُهم، وهوأنّه إِذا قيل له عن اتِّباعِ السنّةِ وتَرْكِ البدْعةِ يَقول:لايُمْكِنُني ذلك في هذا الزمانِ، لئلاّ يَقع الناسُ في عِرْضي ويَتكلّمونَ فِيّ، فأكونُ سببًا في إيقاعِهم في المحرّماتِ أو المكروهاتِ. وهذا جهلٌ منهم بطريق القومِ ماهو،         إذْ أنّ الأَصْلَ عندهم التصدُّقُ بعِرْضهم على من نالَ منهم من إخوانِهم المسلمين، وترْكُ المُبالاةِ بذلك كلِّه والإعْراضُ عنه. فيتعيّنُ على المُريد الطالب تركُ الإلتِفاتِ إلى هذه الأشياءِ وأشْباهِها، ويَعدّ الخلْقَ كأنّهم مَوْتى لايَحْسُب إلاّ حسابَ السنّةِ فيتتبّعُها، ومَنْ رضيَ فله الرِضا ومن سَخِط فله السُخْطُ، لأنّ النَّظْر إلى ما يَصْدُر من الناس يَشْغَل الخاطرَ، ويُكْثِر الوسْواسَ ويَقْطع عن الإتّباعِ. وقد قال بعضُ أكابرِ السلفِ: نظرتُ إلى الناس فرأيْتُهم مَوْتى، فكبّرتُ عليهم أربعَ تكبيراتٍ.

( المدخل : 4 / 303 مختصرا )

وقال حذيفةُ t : واللهِ لَتَفْشُـوَنَّ البِدعُ، حتّى إذا تُرِك منها شيءٌ قالوا تُرِكتْ السنّةُ. رواه البخاري

 ( الإبداع : 87 )

        وقال الإمام الشافعى رحمه الله:أجْمعَ المسلمونَ على أنّ مَنْ استَبانَ له سنّةٌ عن رسول الله S لم يَحِلَّ له أن يَدَعَها لِقولِ أحدٍ ( إعلام الموقّعين : 2 / 361 )

وذلك، لأنّ طريقَ أهْلِ السنّةِ أن لايَعْدِلوا عن النصّ الصحيح، ولا يُعارِضوه بمَعْقولٍ ولا بقولِ فلانٍ، كما قال البخاري رحمه الله: سمعْتُ الحمَيْدي يقول:كنّا عند الشافعي رحمه الله، فأتاهُ رجلٌ فسأله عن مسألةٍ فقال: قَضى فيها رسول الله S كذا وكذا، فقال رجلٌ للشافعي:ما تقول أنتَ؟ فقال:سبحان الله، تَراني في كنيسةٍ، تَراني في بِيعةٍ، تَراني على وَسَطي زُنّارٌ ؟ أقول لك:قَضى رسول الله S وأنتَ تقول: ماتقولُ أنتَ ؟. ونظائر ذلك في كلام السلف كثير. قال الله تعالى :  ( وما كان لمؤمنٍ ولا مؤمنةٍ إذا قَضى اللهُ ورسولُه أمرًا أن يكونَ لهم الخِيَرَةُ من أمرِهم) الأحزاب : 36  ( شرح العقيدة الطحاوية: 354 )

وقال تعالى: ( يآأيّها الذين آمنوا لاتُقَدِّموا بينَ يَدَيِ اللهِ ورسولِه، واتّقُوا الله إنّ اللهَ سميعٌ عليمٌ ) الحجرات :1.  أي لا تَتقدّموا بقولٍ ولافعلٍ حتّى إنّ رسول اللهS هو الذي يأمرُكم وينهاكم.

( تنوير المقباس: 435 )

وقال ابن عبّاس رضي الله عنهما:أراهُم سيَهْلِكون، أقول:قال النبيS، ويقولونَ:قال أبوبكرٍ وعمرُ رواه أحمد.   ( رسائل التوجيهات: 238 )

)الذكرُ المَشْروعُ هو الذكرُ بالجُمْلةِ التامّةِ(

قال النبيّr  “أفْضلُ الذكرِ لاإله إلاّ الله، وأفضل الدعاءِ الحمد لله”رواه الترمذي وغيره.  وفي الموطّأ وغيرِه عن طلحةَ بْنِ عبدِ الله بَشير أنّ النبيّ r قال:“أفْضلُ ما قلْتُ أنا والنبيّونَ من قبلي: لا إله الاّ الله وحده لاشريك له،له الملكُ وله الحمدُ وهو على كلّ شيء قديرٌ”. وفي الصحيحين عنه r أنّه قال:” مَنْ قال في يومه مائةَ مرّةٍ: لا اله الاّ الله وحده لاشريك له، له الملك وله الحمدُ وهو على كلّ شيء قدير،كتبَ اللهُ له حِرْزًا من الشيطان يومَه ذلك حتّى يُمْسِيَ، ولَمْ يأت أحدٌ بأفْضلَ مِمّا جاء به، الاّ رجلٌ قال مثْلَ ما قال أو زادَ عليه”.

وهٰذا كلُّه جملةٌ تامّةٌ، وكذلك ما في القرآن من قوله تعالى ﴿ولا تأكلُوامِمّالَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عليه﴾ الأنعام 121، وقولِه تعالى﴿ فكُلوا مِمّا أمْسَكْنَ عليهم واذْكرُوا اسْمَ الله عليه﴾  المائدة4، إنّما هو قوله “بسم الله” وهٰذا جملةٌ تامّة، والتقدير:ذَبْحِي بسم الله، أو أذْبَحُ بسم الله. وكذٰلك قول القارئ “بسم الله الرحمن الرحيم” فتقديره : قِراءتي بسم الله، أو أَقْرَأ بسم الله. وكذٰلك ما شُرِع للمسلمين في صلاتِهم وأذانِهم وحجِّهم وأعْيادِهم من ذِكْر الله ، إنّما هو بالجملة التامّة.

وأمّا الإسمُ المفردُ مُظْهَرًا  اومُظْمَرًا فليس بكلامٍ تامٍّ ولا جملةٍ مفيدةٍ. والذكرُ بالإسْمِ المُضْمَر أبْعَدُ عن السُنَّةِ وأَدْخَلُ في البدعةِ، وأَقْرَبُ إلى إِضْلالِ الشيَاطينِ، فإنّ من قال :”يا هو يا هو اوهوهو ونحوَ ذلك” لَمْ يكنِ الضميرُ عائدًا إلاّ إلى ما يُصَوِّره قلبُه، والقلبُ قد يَهْتَدي وقد يَضِلّ. وهٰذا الذكرُ لا أصْلَ له، فضلاً عن أن يكون من ذِكْر الخاصّة والعارفينَ.

ومَنْ زَعم أنّ هذا “الذكرَ المشروعَ” ذكرُالعامّةِ، وأنّ ذكرَ الخاصّة هو الإسمُ المفردُ، وذكرَ خاصّةِ الخاصّةِ هو الإسْمُ المُضْمَرُ فهم ضالّون غالِطونَ. واحْتجاجُ بعضِهم على ذلك بقوله تعالى ﴿قُلِ اللهُ ثمّ ذَرْهُمْ في خَوْضِهم يَلْعَبُوْنَ﴾  الأنعام:91 مِنْ أَبْيَنِ غَلَطِ هؤلاءِ، فإنّ الإسمَ هو مذكورٌ في الأمرِ بجواب الاستفهامِ، وهو قوله تعالى ﴿ قُلْ من أَنْزَل الكتابَ الذي جاء به موسى نورًا وهدًى للناسِ﴾ الأنعام 91، قل الله أي الله الذي أنزل الكتاب الذي جاء به موسى. وجِماعُ الدين أصْلانِ: أن لا نعبدَ الاّ الله، وأن لانعبده إلاّ بما شَرَع. قال الله تعالى ﴿ فمَنْ كانَ يَرْجُو لِقاءَ رَبِّه فليَعْمَل عملاً صالحًا ولا يُشْرِكْ بعبادةِ ربِّه أحدًا﴾  الكهف:110.

 (الفتاوى الكبرى:2/ 405 وما بعدها مختصرا)

قال ابن كثير﴿ فليَعْمَلْ عملاً صالحًا﴾  أي ما كانَ موافِقًا لشَرْعِ الله.

( تفسير ابن كثير:3/108)

﴿فليَعْمَلْ عملاً صالحًا﴾  أي مُسْتَوفِيًا لمُعْتَبَراتِه شرعًا ( حاشية الجمل:3/50)

) قيامُ رمضانَ وهوالتَراويحُ(

قال رسول الله e:” مَنْ قَامَ رمضانَ إيمانًا واحْتِسابًا غُفِرَلهُ مَا تَقَدّمَ مِنْ ذَنْبِه ” متّفق عليه. وعَنْ أبي سَلَمَةَ بْنِ عبدِ الرحمنِ أنّه سألَ عائشةَ رضي الله عنها، كيفَ كانَتْ صلاةُ رسولِ اللهِ e في رمضانَ ؟ فقالَتْ: ماكان رسولُ اللهِ e يزيدُ في رمضانَ ولا في غيرِه على إِحْدَى عَشْرَةَ ركعةً، يُصَلّي أرْبعًا فلا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهنَّ وطُولِهنَّ، ثمّ يُصَلّي أرْبعًا فلا تَسْأَلْ عن حُسْنِهنَّ وطُولِهنَّ،   ثمّ يُصَلّي ثلاثًا الحديث. متّفق عليه . وعن عائشةَ رضي الله عنها قالَتْ : كان النبيُّe يُصَلِّي من الليلِ ثلاثَ عَشْرَةَ ركعةً، منها الوِتْرُ ورَكْعَتَا الفَجْرِ –  متّفق عليه.

        وعن عبدِ الرحمنِ بْنِ عَبْدٍ الْقارِيِّ أنّه قال:”خَرَجْتُ مع عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ t ليلةً في رمضانَ إلى المسجد، فإذَا الناسُ أَوْزاعٌ مُتَفرِّقونَ يُصَلّي الرجلُ لنَفْسِه، ويُصَلّي الرجلُ فَيُصَلّي بصلاتِه الرَهطُ. فقال عمرُ: إِنّي أرَى لو جَمَعْتُ هؤلاءِ على قارئٍ واحدٍ لكانَ أمْثَلَ، ثمّ عَزَمَ فجَمَعَهم علَى أُبّيِّ بْنِ كَعْبٍ. ثمّ خَرَجْتُ معهُ ليلةً أخْرَى والناسُ يُصَلّونَ بصلاةِ قارئِهم،  قال عمرُ:نِعْمَ البِدْعةُ هذه، والتِي يَنامون عنها أفْضَلُ من التِي يَقومونَ – يريدُ آخرَ الليلِ- وكانَ الناسُ يقُومونَ أَوَّلَه”.

رواه البخاري.

        قال الحافظُ ابْنُ حجرٍ في” الفَتْحِ”:لَمْ يَقَعْ في هذه الرِوايةِ عددُ الركعاتِ التي كانَ يُصلّي بـها أُبيُّ بْنُ كَعْبٍ، وقد اخْتُلِف في ذلك، ففي “الْمُوَطَّأ” عن محمّدِبْنِ يوسفَ عن السائبِ بْنِ يزيدَ أنّها إِحْدَى عَشْرَةَ، ورواه سعيدُ بْنُ منصورٍ من وجهٍ آخَرَ وزادَ فيه، “وكانوا يَقْرؤونَ بالمائتَين ويَقومون على العِصِيِّ مِنْ طُول القيامِ”. ورواه محمّدُبْنُ نَصْرٍ المِرْوَزِيّ من طريقِ محمّدِ بْنِ إسحقَ عن محمّدِ بْنِ يوسفَ فقالَ: ثلاثَ عَشْرَةَ. ورواه عبدُ الرزّاقِ من وجهٍ آخرَ عن محمّدِ بْنِ يوسفَ فقال : إِحْدَى وعشرينَ، وعن يَزيدَ بْنِ رُومانَ قال:”كانَ الناسُ يَقومونَ في زَمانِ عمرَ بثلاثٍ وعشرينَ“، والجمعُ بينَ هذه الرِواياتِ ممكنٌ  باخْتِلافِ الأحْوالِ، ويَحْتمِل أنّ  ذٰلك الاخْتِلافَ  بحَسَبِ تطويلِ القراءةِ  وتَخْفيفِها،    فحيثُ يُطيل القراءةَ تَقِلّ الركعاتُ وبالعكْسِ، والعَددُ الأوّلُ مُوافِقٌ لحديثِ عائشةَ المذْكورِ،  والثاني قريبٌ منه، والاخْتلافُ فيما زادَ عن العشرينَ راجعٌ إلى الاختلافِ في الوتْرِ، وكأنّه كان تارةً يُوتِر بواحدةٍ وتارةً بثلاثٍ

        ورَوى محمّدُ بْنُ نَصْرٍ من طريقِ داودَ بْنِ قَيْسٍ قال :“أدْركْتُ الناسَ في إِمارةِ أبانَ  بْنِ عثمانَ وعمرَ بْنِ عبدِ العزيز – يعني بالمدينةِ –  يقومونَ بستٍّ وثلاثين ركعةً ويُوتِرونَ بثلاثٍ “.     وعن السائِب بْنِ يَزيد قال:”كُنّا نُصلّي زمنَ عمرَ في رمضانَ ثلاثَ عشرةَ ” قال ابْنُ إسحقَ:وهٰذا أثْبَتُ ما سمعتُ في ذلك، وهو موافِقٌ لحديث عائشةَ في صلاةِ النبيّ  e  مِن الليل والله أعلم.

        وأمّا مارواه ابْنُ أبي شيبةَ من حديث ابنِ عباس”كان رسول الله e يصلّي في رمضانَ عشرين ركعةً والوتْرَ ” فإنّ إ سنادَه ضعيف، وقد عارَضَه حديثُ عائشةَ الذي في الصحيحين مع كونـها أعلمَ. بحال النّبي e ليلاً من غيرها. (فتح الباري : 4/782 مختصرا).

قال القرضاويّ: ولا يَنْبغى أنْ يُنْكِرَ بَعضُ الناسِ  على بعضٍ في ذٰلك، ما دامتِ الصلاةُ تأخذُ حقَّها من الطُمأنينةِ  والخُشوعِ. ( فقه الصيام : 106 )

} الشُبَهُ الْواردةُ على عمومِ حديثِ “كلُّ بدعةٍ ضلالةٌ” {

منها: قولُه r “مَنْ سَنّ في الإسلام سنّةً حسنةً كان له أجْرُها وأجْرُمَنْ عمل بِها، لايَنْقُص ذلك مِنْ أجُورِهم شيئًا الحديثَ – رواه مسلم– والجواب:أنّ من قال:“مَنْ سنّ في الإسلام سنّةً حسنةً” هو القائلُ “كلُّ بدْعةٍ ضَلالةٌ”، ولايُمْكن أن يَتناقَضَ كلامُ رسول الله r أبدًا. وإذا كان كذلك فبَيانُ الحديثِ أنّ قولهr: “مَنْ سَنّ في الإسلام سنّةً حسنةً”  أنّ البدعةَ ليسَتْ من الإسلام، وأنّها ليسَتْ بِحسنةٍ. ويدلّ على ذلك سببُ الحديث، وهو قِصّةُ النَفَرِ الذينَ وَفَدوا إلى النبيّ r، وكانوا في حالةٍ شديدةٍ من الضِيق، فدعا النبيُّ r إلى التَبَرُّعِ لهم، فجاءَ رجلٌ من الأنصارِ بيده صُرّةٌ من فضّةٍ  تكادُ تُثْقِلُ يدَه، فوضَعها بين يَدَيْ الرسولِ r، فجَعل وجهُه يَتَهلّلُ وقال:“مَنْ سَنّ في الإسلام سنّةً حسنةً” الحديثَ – رواه مسلم. فمعنَى “السَنِّ” هنا سَنُّ التَنْفِيْذِ لا سنُّ التَشْريعِ،  لأنّه مَمْنوعٌ.فرُجِع هذ المعنى  إلى حديثِ “مَنْ أحْيَا سنّةً من سُنّتي قَد أُمِيْتَتْ من بَعْدِي، كان له مِن الأجر مثلُ مَنْ عَمِل بِها، لايَنْقُص من أجُورِهم شيئًا”  الحديثَ – رواه الترمذى. ( الإبداع في خطر الإبتداع :  19  وما بعدها بتصرّف )

ومنها:قولُ ابنِ مسعودٍt“إنّ اللهَ تعالى نَظَر في قُلوبِ الْعِبادِ، فَاخْتارَ محمّدًا، فَبَعَثه برسالَتِه، ثم نَظَر في قُلوبِ الْعِبادِ، فَاخْتارَ له أصْحابًا فجَعلهم أنْصارَ دينِه  ووُزَراءَ نبيِّه،  فما رآه المسلمونَ حسنًا فَهُوَ عند الله حَسَنٌ”  رواه أحمد وغيره. ووجْهُ الشُبْهةِ فيه أنّ الظاهرَ ما رأَوْهُ بعُقولِهم فرُجِع التَحْسينُ إليها.وهي مَدْفوعةٌ بأنّ هذا من كلام ابنِ مسعودٍ t، وقد اخْتَلَفوا في العملِ بِقَول الصحابِيّ، وعلى فَرْضِ العملِ به فالمرادُ منه ما أجْمَعُوا على حُسْنِه إمّا مِنْ جميع المسلمين أو مِنْ خُصوصِ الصحابة، لأنّ (أل) في”المسلمينَ” إمّا للاسْتِغْراقِ أو للعَهْدِ، فهُوَ إجماعٌ والإجماعُ حُجّةٌ

( الإبداع : 132 – تطهير الجنان : 43 بتصرّف )

ومنها: قولُ أميرِ المؤمنين عمرَ بن الخطابt ” نِعْمَتِ البِدْعةُ هذه “. والجوابُ على ذلك: أنّه t مِنْ أَشدِّ الناسِ تَعْظيمًا لكلامِ الله ورسوله، وكانَ مَشْهورًا بِالوُقوف علَى حُدودِ الله تعالى، فلا يليقُ بِه أن يُخالِفَ كلامَ سيِّدِ البَشرِr، وأنْ يقولَ “نِعْمَتِ البِدْعةُ” وتكونُ هذه البدْعةُ هي التي أرادَها الرسولُ r بقولِه: “كلُّ بدْعةٍ ضلالةٌ“. فلا بُدَّ أنْ تُنْزَلَ البدعةُ التي قال عنها tعُمر علَى بِدْعةٍ لا تكونُ داخلةً تحت مُرادِ النبيّ r. فهو t يُشِيرُ بقولِه “نِعْمَتِ البدعةُ هذه” إلى جَمْعِ الناسِ       على إمامٍ واحدٍ بعدَ أن كانوا مُتَفَرِّقينَ، يَقومُ الرجلُ ومعهُ الرجلُ، ويقومُ الرجلُ ومعهُ الرجلانِ. وكانَ قِيَامُ رمضانَ جماعةً من سنةِ الرسولِ r التي تَركَها خشيةَ أنْ تُفْرَضَ ، فَأعادَها عمرُ t. وإنما  سمّاها بدعةً باعْتِبار أنّه r تَركَها وصارَ الناسُ مُتَفرِّقينَ . فهي بدعةٌ اعْتِباريّةٌ لُغَوِيّةٌ ، لابدعةٌ إنْشائِيَّةٌ شَرْعِيّةٌ .( الإبداع فى خطر الابتداع : 14 ومابعدها بتصرّف )

)شروطُ “لا إله إلا الله”(

قال وَهْبُ بْنُ مُنَبِّه لمن سأله: أليس “لا إله إلاّ الله” مفتاحَ الجنّةِ؟ قال:بلى، ولكن مَا مِنْ مفتاحٍ إلاّ وله أسْنانٌ، فإن جئتَ بِمفتاحٍ له أسنانٌ فُتِح لك، وإلاّ لَمْ يُفْتح لك”، رواه البخاري.

وأسْنانُ هذا المفتاحِ هي شروط “لا إله إلاّ الله” الآتيةُ، منها:

1. العلمُ بِمعناها المُرادِ منها أي نفيًا وإثباتًا نفيًا لجميع المَعْبوداتِ الباطلةِ، وإثْباتًا للمعبود الحقّ عزّ وجلّ. قال الله تعالى: ﴿ فاعْلَمْ أنّه لا إله إلاّ الله﴾ سورة محمد: 19. وقال رسول الله r: “مَنْ مات وهو يَعْلم أنّه لا إله إلاّ الله دخل الجنةَ” رواه مسلم عن عثمان t.

2. اليقينُ المنافي للشكِّ، ومعنى ذلك أن يكون قائلُها مستيقنا بِمدلولِ هذه الكلمةِ يقينًا جازمًا. قال تعالى: ﴿ إنّما المؤمنونَ الذين آمنوا بالله ورسولِه ثمّ لم يرتابوا ﴾ الحجرات:15. وقالr: “أشهد أن لا إله إلاّ الله وأنّي رسولُ الله، لاَ يَلْقى اللهَ بِها عبدٌ غيرَ شاكٍّ فيهما إلاّ دخلَ الجنّةَ”

رواه مسلم.

قال القرطبي في “المُفْهِم” لا يكفي مجرّدُ التلفّظ بالشهادتين، بل لابدّمن اسْتِيقانِ القلب. (فتح المجيد:36)

3. الصِدْقُ المُنافي للكَذب، وهو أن يقولَها صِدْقًا من قلبه، يواطئ قلبُه لسانَه. قال تعالى: ﴿ومن الناسِ من يقول آمنّا بالله واليوم الآخر وماهم بِمؤمنين﴾ البقرة:10.  وفي الحديث “مامِنْ أحدٍ يشهَد أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمّدا عبده ورسوله صِدْقًا من قلبِه إلاّ حرّمه اللهُ  على النار”. متفق عليه.

4. الإخلاص، وهو تَصْفيةُ العملِ عن جميع شَوائب الشركِ. قال تعالى: ﴿وما أمِروا إلاّ ليعبدوا اللهَ مخلصين له الدينَ حُنَفَاءَ﴾ البينة 5، أي مائلين عن جميع الأديان كلّها إلى دين الإسلام.

( الفتوحات:4/570).

 وفي الحديث :”أسْعدُ الناسِ بشفاعتي من قال لاإله الاّ الله خالصًا من قلبه:” رواه البخاري.

5. المحبّة لِهٰذه الكلمةِ، ولما اقْتَضتْه، ولأهلِها المُلْتَزِمين لشروطها، وبُغْضُ ماناقَض ذلك. قال تعالى: ﴿ومن الناسِ من يَتَّخِذُ مِنْ دون اللهِ أنْدادًا يُحِبُّونَهم كَحُبِّ اللهِ، والذين آمنوا أشدُّ حُبًّا لله ﴾ البقرة:165. أي يحبّون أندادَهم- بالتعظيم والخضوع-كحبّ المؤمنين لله، والذين آمنوا أشدّحبًّا لله من مُتّخذي الأندادِ لأندادهم. ( الطبري:2/71- تفسير الجلالين مع الصاوي:1/106).

وفي الحديث:” ثلاثٌ مَنْ كُنَّ فيه وجَد بِهِنَّ حلاوةَ الإيمانِ: أن يكون اللهُ ورسولُه أحبَّ إليه مِمّا سواهما، وأن يُحبّ المرْءَ لا يحبُّه إلاّ لله، وأن يكرهَ أن يعودَ في الكفر بعد أن أَنْقَذَه اللهُ منه كما يَكْرهُ أن يُقْذَفَ في النارِ” متفق عليه. وقال ابن عباس t “من أحبّ في الله، وأَبْغضَ في الله، ووالىَ في الله، وعادَى في الله، فإنّماتُنال وِلايةُ الله بذلك” أخرجه ابن جرير.

( الولاء والبراء في الإسلام:28وما بعدها مختصرا )

) الجنُّ والشيْطانُ والتحصُّنُ منْهما(

       الجنُّ من عالَم الغيْبِ الذي يجب أن نؤمنَ به إيماناً جازماً ونسلِّم به، لأنّ وجودَه ثابتٌ  بالكتاب والسنّة   واتّفاقِ سلفِ الأمّةِ وأئمّتِها. قال الله تعالى: ﴿وما خلقْتُ الجنَّ  والإنْسَ  إلاّ ليَعْبدونِ﴾ الذاريات : 56 . وقال النبي e :”إنّه لايسمع مدى صوْتِ المؤذِّنِ جنٌّ ولا إنسٌ ولاشيءٌ إلاّ شهدَ له يومَ القيامةِ “

رواه البخارى.

       وتدلّ النصوص من الكتاب والسنّة على أنّ الجنَّ خُلِقوا من النار. قال الله تعالى:﴿ وخلَقَ الجانّ من مارجٍ من نارٍ﴾  الرحمن: 15. قال ابنُ عبّاسٍ وعكرمةُ ومجاهدٌ والضحّاك t : من خالِصِ النارِ، وفى روايةٍ عن ابن عبّاسٍ:من طَرْفِ لهبِها. تفسير ابن كثير: 4/391. وقال e :”خلِقتْ الملائكةُ من نورٍ، وخُلِق الجانُّ من مارجٍ من نارٍ، وخُلِق آدمُ مِمّا وُصِف لكم” رواه أحمد ومسلم. والشيطان كافِرُ الجنِّ ومتمرِّدهمْ، فإنّه لَم يُذْكر إلاّ في مَوْطن الكُفْرِ والذمّ وما في معناهما.قال الله تعالى: ﴿فسجدوا إلاّ إبليسَ كان من الجنِّ ففسَقَ عن أمر ربّه﴾ سورة الكهف:50. بحلاف الجنِّ، فمنهم الكَافِرُ ومنهم المؤمنُ كما جاء في النصوص.

        ومن سُبُل الوِقايةِ والتحصُّنِ من الجنِّ والشيطان :

1.الإخلاص لله تعالى. قال الله تعالى: ﴿قال ربّ بما أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنّ لـهم في الأرض ولأُغْوِيَنَّهم أجمعينَ إلاّ عبادَك منهم المُخْلَصِيْنَ ﴾ سورة الحجر : 39-40 . وأعْظَمُ الإخلاصِ هو إخلاصُ العبادةِ لله وحده، ويكون ذلك بتحقيق التوحيد الخالصِ لله تعالى. وقال تعالى: ﴿ إنه ليس له سلطانٌ على الذين آمنوا وعلى ربّهم يتوكّلون، إنّما سلطانُه على الذين يتولَّوْنَه والذين هم به مُشْرِكُونَ

سورة النحل: 98.

2.الاستقامةُ على دين الله. قال الله تعالى: ﴿ إنّ الذينَ قالوا ربُّنا اللهُ ثمّ اسْتَقاموا تتنـزّل عليهم الملائكةُ أنّ لا تخَافُوا ولا تَحزَنُوا وأبْشِرُوا بالجنةِ التى كنتم تُوعَدُونَ﴾  سورة فصّلتْ :30

3.الاستعاذةُ بالله تعالى من الشيطان. قال الله تعالى: ﴿وإمّا يَنْزَغَنَّكَ من الشيطانِ نَزْغٌ فاستعذْ بالله  إنّه هو السميع العليم﴾ سورة فصّلتْ : 36، وهي:”أعوذبالله من الشيطان الرجيم” متفق عليه

4.تطهير البيتِ من التَماثيلِ والتصاوير. قال النبيّ e :“لا تَدخلُ الملائكةُ بيتاً فيه تماثيلُ وتصاويرُ”                

                                                                                         رواه مسلم.

5.لُزومُ الجماعة. قال رسول الله e: من أرادَ بُحبُوحَةَ الجنّةِ فليَلزَمِ الجاعةَ، فإنّ الشيطانَ مع الواحدِ، وهو مع الاثنينِ أبْعَدُ” رواه أحمد وغيره. وقال e :”لويَعْلم الناسُ ما في الوحْدةِ ماسارَ راكبٌ  بليلٍ وحْدَهُ”

رواه البخارى .

6.قراءة القرآن. قال رسول الله e :” لا تجعلوا بيوتَكم مَقابِرَ، فإنّ الشيطانَ يَنْفُر من البيت الذي تُقْرَأ فيه سورةُ البقرةِ “ رواه مسلم ( تحصين أهل الإيمان: 108 وما بعدها باختصار وتصرف )

)وجوبُ اتّخاذِ الإِمارةِ(

 

 

       يجب أن يُعرف أنّ وِلايةَ أمْرِ الناسِ من أعْظمِ واجبا تِ الدينِ، بل لا قيامَ للدين ولاللدنيا إلاّ بـها، فإنّ بني آدم لا تَتِمّ مصلحتُّهم إلاّ بالإجتماع لحاجةِ بعضِهم إلى بعض،ولابدَّ لهم عند الاجتماعِ من رأ سٍ، حتّى قال النبيُّ  e:” إذا خَرج ثلاثةٌ في سفرٍ فلْيُؤَمِّروا أحدَهم” أخرجه أبوداود بإسناد صحيح . فأَوْجبَ r تأميرَ الواحدِ في الاجتماع القليل العارضِ في السفرِ، تنبيهًا بذلك على سائِر الاجتماعِ، ولأنّ الله تعالى أَوْجب الأمْرَ بالمعروف والنهيَ عن المنكر، ولا يَتِمّ ذلك إلا بقوّةٍ وإمارةٍ. ويُقال:    “سِتّون سنةً من إمام جائرٍ أصْلحُ من ليلةٍ واحدةٍ بلا سلطانٍ”.وقال e: إنّ اللهَ يَرضى لكم ثلاثًا:  أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بالله جميعًا ولا تَفرّقوا، وأن تُناصحوا مَنْ ولاّه اللهُ أمْرَكم”

رواه مسلم

 

 

       فالواجبُ ا تّخاذُ الإمارةِ دينًا وقربةً يُتَقرّب بـها إلى الله، وإنّما يَفْسُد فيها حالُ أكثر الناسِ لابتِغاءِ الرياسةِ أوالمالِ بـها. وقد رَوى كعبُ بْنُ مالكٍ عن النبي e أنّه قال:”ما ذئبانِ جائعانِ أُرْسِلا في زَريبةِ غنمٍ بأفْسَدَ لها من حِرْصِ المرْءِ على المالِ والشرفِ لدينه” أخرجه أحمد والترمذي،    قال الترمذي : حسن صحيح. فأخبَر e أنّ حِرْصَ المرءِ على المالِ والرياسةِ يُفْسِد دينَه مثْلَ أوأكثَرمن إفسادِ الذِئْبَيْنِ الجائِعَيْنِ لِزَريبةِ الغَنِم.وغايةُ مُريدِ الرياسةِ أن يكونَ كفِرعون، وجامعِ المالِ أن يكونَ كقارون. قال الله تعالى: ﴿إنّ فرعونَ عَلا في الأرضِ، وجَعل أهلَها شِيَعًا، يَسْتَضْعِف طائفةً منهم، يُذَبِّح أبناءَهم ويَسْتَحْيِي نِساءَهم، إنّه كان من المُفْسِدين  من سورة القصص: 4

 

فإذا كان المقصودُ بالسلطانِ والمالِ هوالتقرّب إلى الله، وإنْفاقُ ذٰلك في سبيله، كان ذٰلك صلاح الدّين والدنيا، وإن انْفردَ السلطانُ عن الدين أو الدينُ عن السلطانِ فسدَتْ أحوالُ الناسِ. فالواجبُ على المسلم أن يجتهدَ فى ذلك بحسب وُسْعِه، فمن وَلِيَ وِلايةً يَقْصِد بها طاعةَ اللهِ وإقامةَ  ما يُمْكنه من دينِه ومَصالحِ المسلمين، لَم يُؤاخَذْ بِما يَعْجِز عنه. ومن كان عاجزًا عن إقامةِ الدينِ بالسلطانِ والجهادِ، ففعلَ ما يَقْدِر عليه من النصيحةِ والدعاءِ للأمّة، ومحبّةِ الخيرِ، وفعْلِ ما يَقْدر عليه منه، لَم يُكلَّفْ ما يَعْجِز عنه.

                                                   ( السياسة الشرعية : 137 وما بعدها مختصرا )

) البيـعة ( 

 

1. البيعة في جَوْهرِها وأصلِها عقدٌ وميثاقٌ بين طَرفَين: الإما مِ والجمهورِ. أمّا هو فيُبايع على الحكم بالكتاب والسنّة والنُصْحِ للمسلمين، وأمّا الجمهورُ فيبايعون على الطاعة في حُدود طاعةِ الله ورسولِه: فالبيعةُ فى إطارها العامِّ تتكوّن من ثلاثة عنَاصِرَ رئيسيّةٍ، أوّلها: الطرفُ الذي اُخِذتْ البيعةُ له، وهوالشخصُ الذي يتولىّ مَنْصِبَ الإمامةِ. وثانيها: الطرفُ الذي أعطَى البيعةَ لمن يستحقّ الإمامةَ، وهم أهل الحلِّوالعقدِخاصّةً وجماحيرُالأمّةِ الإسلاميّةِ عامّةً. وثالثها: موضوع البيعةِ، وهو إقامةُ نظامِ الخلافةِ الإسلاميّةِ وِفقًالكتاب الله وسنّةِ رسول e. وهذه الثلاثة هي أركان البيعةِ.

1-  وللبيعةِ صورتان: بيعةٌ خاصّة وبيعةٌ عامّة. فالخاصّةُ هي التي يقوم بـها أهْلُ الحلِّوالعقد في الأمّة الاسلاميّةِ، وهي عبارةٌ عن توْليةِ الإمامِ عن طريق الإختيارمنهم، وهذه البيعة بمثابة إعلان الموافقة منهم لشخص الإمام. والعامة هي التي تأتي بعدَ البيعة الخاصّة وتكون عامّةً لجميع الناسِ       فى الحواضر والبوادي، يأخذ الخليفةُ البيعةَ منهم بنفسه او مَنْ يُنِيبُه عنه. وهي عبارة عن إعلان الوَلاء والطا عةِ وعدمِ الخروج على الجماعةِ

3_ والبيعة  من المبا دئ  الإسلاميّةِ الأصيلةِ، وهي سنة نبويّة أعطاها المسلمون لرسول اللهr مِرارًا في حياته، وبقيت نافذةً بعد وفاته يُعْطيها المسلمون لخلفائه الراشدين والذين يَتولَّوْن أمورَ المسلمين لعدّة قرونٍ. قال الله تعالى:﴿إنّ الذين يبا يِعونك إنّما يبايعون الله، يدُ اللهِ فوقَ أيْديهم﴾ ألاية – من سورة الفتح:10. فالبيعة النبويّة فى حقيقتها بيعةٌ لله تعالى، وقوله تعالى ﴿ يد الله فوق أيديهم  فيه نوعٌ من التأكيد على أنّ حقيقةَ البيعة النبوية هي لله تعالى . وقال تعالى: ﴿يأ يّها النبيُّ إذاجاءَك المؤمناتُ يُبايِعْنَك على ان لايُشْرِكْن بالله شيئا ولايَسْرِقْن ولايَزْنِين ولايَقْتُلْنَ أولادهنّ ولايأتينَ ببُهْتانٍ  يَفْتَرِينه بينَ أيديهنّ وأرْجُلِهنّ ولايَعْصِينَك في مَعْروفٍ فبا يِعْهُنّ واسْتغفِرْ لهنّ الله إنّ الله غفوررحيم ( الممتحنة :12 )

( البيعة فى النظام السياسيّ الاسلاميّ :33 وما بعدها مختصرا )

وعن عبادةَ بنِ الصامتِ قال : با يَعنا رسولَ الله r على السَمْعِ والطاعة في المَنْشَطِ والمَكْرَهِ، وأنْ لا نُنازِع الأَمْرَ أَهْلهُ، وأنْ نَقوم أو نَقول بالحقِّ حيثماكُنّا، لانَخا فُ في الله لَوْمَةَ لائِمٍ.

رواه البخاري ( صحيح البخارى مع الفتح : 15   102 )

)شروطُ صحّةِ عقْدِ البَيْعَةِ(

 

الشرطُ الأوّلُ:خُلُوُّ مَنْصِبِ الإمامةِ من الإمامِ القائِم،وعدمُ تعدُّدِ البَيْعاتِ لأكْثَرَ مِنْ واحدٍ. قالr:”إِذا بُويِعَ لخليفتَيْنِ فَاقْتُلوا الآخرَ منهما”رواه مسلم وأحمد. قال النووي رحمه الله : ومعنى هذا الحديثِ إذا بُوْيِع لخليفةٍ بعد خليفة فبَيْعةُ الأوّلِ صحيحةٌ يجبُ الوفاءُ بها.وبَيْعةُ الثاني باطلةٌ يَحْرم الوفاءُ بِها. قالr:” مَنْ بايَع إمامًا فأعطاهُ صَفْقَةَ يدِه وثَمْرَةَ قلبِه فلْيُطِعْه مااستَطاع، فإن جاءَ آخرُ يُنازِعه فَاضْرِبوا عُنُقَ الآخرِ” رواه مسلم.

فحكمُ الشرعِ في الثاني الذي جاءَ بعد ثُبوتِ وِلايةِ الأوّلِ أن يُقْتَل إذا لَمْ يَتُبْ عن الْمُنازعةِ.      وقد أجمَع العلماءُ على أنّه لايصحّ أن تُعْقَد البيعةُ لأكثرَ من إمامٍ واحدٍ في القُطْر الواحد كما قاله إمامُ الحرمين الجُوَيْنِي،وقال البغداديّ: قال أصحابُنا: وإنّما يَنْعقد إمامٌ واحدٌ في الوقتِ، ويكونُ الباقونَ تحت رايتِه، وإن خَرجوا عليه من غيرِ سببٍ يوجِبُ عَزْلَه فهم بُغاةٌ.

الشرط الثاني: توافُر شروطِ الإمامةِ في الْمُرشَّحِ المختارِ، وعدمُ رَفْضِه للمُنْصِب بعد اختياره.     منها أن يكونَ مسلمًا ذكرًا حُرًّا سليمَ الحَواسِّ بالغًا عاقلاً وَرِعًا،وأن يكونَ قَيِّما بأمر السياسةِ والدفاعِ عن الأمّةِ وإقامةِ الحدودِ، وأن يكونَ مِنْ أفضلِهم في العلم والدِين. واختلفَ العلماءُ       في القبولِ الصريح من الشخص المُبايَع بالإمامةِ، فذهب بعضُهم إلى اشْتراطِ القبولِ الصريحِ منه، ويَرى آخرونَ عدمَ اشتراطِه، وإنّما يَكفي عدمُ الرفضِ. قال الرملي وابن حجر وزكريّا الأنصاريّ من أئمّة الشافعيّة: إنّ القبولَ ليس بشرطٍ. وإنَّما يكفي عدمُ الرفضِ. فمِن المُقَرّرِ شرعًا أنّه إذا لَمْ يكن هناك غيرُ واحدٍ صالحٍ للخلافة أُجْبِر على توليته، فدلّ ذلك على أنّ قبولَ المُرشَّحِ للخلافة ليس بشرطٍ.

الشرط الثالث: إجراءُ القعدِ من أهل الحَلِّ والعقدِ.فالبيعةُ لا تصحُّ إلاّ بعقد أهلِ الحَلّ والعقدِ واخْتيارِهم، فإذا عقَدها غيرُهم فلا تَنْعقد كما قال الإمام الرمليّ. وحَكى الماوردي ما ذهَب إليه جمهورُالعلماءِ مِنْ عدمِ انعِقادِ الإمامةِ إلاّ باختيار أهلِ الحَلِّ والعقدِ.

(البيعة في النظام السياسيّ الإسلاميّ: 79 وما بعدها مختصرا)

) أداءُ الأماناتِ(

       قال الله تعالى: ﴿ إنّ اللهَ يأمرُكم اَنْ تُؤَدُّوا الأماناتِ إلى أهْلِها، وإذا حَكَمْتُمْ بينَ الناسِ  أنْ تَحْكُموا بالعَدْلِ، إنَّ الله نِعِمَّا يَعِظُكم به إنّ اللهَ كان سميعًا بصيرًا النساء : 58.  قال العلماءُ : نَزَلَتْ هذه الآيةُ في وُلاةِ الأمور، عليهم أن يُؤَدُّوا الأماناتِ إلى أهْلِها، وأْن يَحْكُموا بينَ الناسِ بالعَدْلِ. فيَجب على وَلِيِّ الأمْرِ أَنْ يُوَلِّي على كلِّ عَمَلٍ مِنْ أَعْمالِ المسلمين أصْلحَ مَنْ يَجِدُه لذلك العملِ. قال النبي e:”مَنْ وُلِّي مِنْ أَمْرِ المسلمينَ شيئًا، فَوَلّى رجلاً وهويَجد مَنْ هوأصْلَحُ للمسلمين منْه، فقدخانَ اللهَ ورَسولَه”.

(رواه الحاكم وقال صحيح ووافقه الذهبيّ.)

       ولا يُقَدِّم الرجلَ لكَوْنِه طَلَبَ الْوِلايةَ، أوْ أسْبَقَ في الطلبِ، بل يكونُ ذلك سببًا للمَنْعِ. قال e: ” إنّا لا نُوَلِّي هذا مَنْ سَألَه ولا مَنْ حَرَص عليه رواه البخاري. وفي روايةٍ للبخارى وأبي داود         ” لَنْ نَسْتَعْمِل علَى عَملِنا مَنْ أرادهُ” وقال e لعبد الرحمنِ بْنِ سَمُر ةَ:” ياعبدَ الرحمن، لاتَسْألِ الإمارةَ، فإنّك إنْ أُعْطِيتَها مِنْ غير مسألةٍ أُعِنْتَ عليها، وإِنْ أُعْطِيتَها عَنْ مسألةٍ وُكِلْتَ إليها

(رواه البخاري ومسلم وأحمد وأصحاب السنن إلا ابن ماجه.)

       فإنْ عَدَل عن الأحَقِّ الأَصْلحِ إلى غيره لأجل قَرابةٍ بينهما، أوصَداقةٍ، أومُوافَقةٍ في مذهبٍ، أولرَشْوَةٍ يأخذها منه، أولضِغْنٍ في قلبه على الأَحَقِّ، أو غيرِ ذلك، فقد خانَ اللهَ ورسولَه والمؤمنينَ، ودَخل فيمانُهِي عنه في قوله تعالى :﴿ ياأيّها الذين آمنوا لاتَخُونوا اللهَ والرسولَ وتَخُونُوا أماناتِكُمْ وأنتم تعلمونَ –  الأنفال :22-

       وقد دَلّت السنّةُ على أنْ الولايةَ أمانةٌ يجبُ أداؤُها. قال e لأبي ذَرٍّ t في الإمارة:“إِنّها أمانةٌ، وَإِنّها يومَ القيامةِ خِزْيٌ ونَدامةٌ، إلاّ من أخَذها بِحَقِّها، وأدّى الذي عليه فيها  رواه مسلم. وروي البخاري عن أبي هريرةَ أنّ النبيّ e قال:”إذا ضُيِّعَتْ الأمانةُ فَانْتَظِر الساعةَ، قيل:يارسولَ الله، وما إِضاعَتُها ؟ قال:إذا وُسِّد الأمْرُ إلى غير أهْلِه فَانْتَظِر الساعةَ”

وذٰلك، لأنّ الوالِي راعٍ على الناسِ بِمَنْزِلةِ راعِي الغَنَمِ،كما قال النبيّ  e:”كلُّكم راعٍ، وكلُّكم مسؤولٌ  عن رَعِيَّتِه  الحديث َ- متّفق عليه. وقال e:”ما مِنْ راعٍ يَسْتَرْعِيه اللهُ رَعِيّةً، يموتُ يومَ  يموتُ وهو غاشٌّ لها، إلاّ حَرّم اللهُ عليه رائحةَ الجنّةِ” – رواه مسلم-. ودخَل أبومسلمٍ الخُولانيّ الشامِيّ – وهو من كِبار التابعين- علىَ مُعاويةَ بْنِ أبي سفيانَ،  فقال : السلامُ عليكَ أيّها الأجيرُ، فقالوا : قُل السلامُ عليك أيّها الأميرُ، فقال: السلامُ عليك أيهاالأجيرُ. فقال مُعاويةُ : دَعُوا أبامُسْلمٍ فإِنّه أعْلمُ بما يَقول ، فقال: إنّما أنتَ أجيرٌ اسْتأجرَك ربُّ هذه الغَنمِ لرِعايَتِها.

( السياسة الشرعية: 8 ومابعدها باختصار وتصرف يسير)

)رُكْنانِ أساسيّانِ للوِلايةِ (

 

والوِلاية لهارُكْنانِ : القوّةُ والأمانةُ، كما قال تعالى: ﴿ إنّ خَبْرَ مَنْ اسْتَأْجَرْتَ القوِيُّ الأميْنُ﴾  سورة القصص:26، وكما قال تعالى في صفة جبريل: ﴿ذِي قوّةٍ عند ذِي العَرْشِ مَكينٍ،          مُطاعٍ ثَمَّ امينٍ﴾ سورة التكوير: 20-21.

والقوّةُ في كلِّ ولايةٍ بِحَسَبِها، فالقوّةُ في إِمارةِ الحَرْبِ ترجع إلى شَجاعةِ القَلْبِ، وإلى الخُبْرَة في الحروب والمُخادَعةِ فيها، فإنّ “الحَرْبَ خُدْعَةٌ”  متفق عليه. والقوّةُ في الحُكْمِ بين الناسِ ترجِع إلى العِلم بالعَدْل الذي دَلّ عليه الكتابُ والسنّةُ، وإلى القدرة على تَنْفيذ الأحكامِ.

والأمانةُ ترجع إلى خَشْية الله، وأن لايَشترِي بآياتِه ثمنًا قليلاً، وتَرْكِ خَشْيَةِ الناسِ. وهٰذه الخِصالُ الثلاثُ التي أخذها اللهُ على كلِّ مَنْ حَكم على الناس في قوله تعالى:﴿فَلا تَخْشوُا الناسَ وَاخْشونِ ولا تَشْتَرُوا بآياتِي ثمنًا قليلاً، ومَنْ لم يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ المائدة:44. ولهذا قال النبيّ r:“القُضاةُ  ثلاثةٌ: قاضيانِ  في النار وقاضٍ في الجنّةِ. فرجلٌ علِمَ الحقّ وقَضى بخلافِه فهو في النار ورجلٌ قَضى بين الناس على جَهْلٍ فهو في النار، ورجلٌ عَلِم الحقّ وقَضى به فهو في الجنّةِ”.

 أخرجه أبو داود وابن ماجه وغيرهما، قال الحاكم: صحيح الإسناد ولَمْ يخرجاه.

واجْتِماعُ القوّةِ والأمانةِ في الناسِ قليلٌ،ولهذا كان عمربْنُ الخطّابِt يقول: اللّهمّ  أَشْكُو إليك جَلَدَ الفاجرِ وعَجْزَ الثِقَةِِ. فالواجبُ في كلِّ ولايةٍ الأَصْلَحُ بحسبها،فيُقدَّم في إمارةِ الحُروبِ الرجلُ القويُّ الشُجاعُ -وإن كان فيه فُجُوْرٌ- على الرجلِ الضعِيفِ العاجزِ وإن كان أمينًا. سُئِل الإمامُ احمد عن الرجلين يكونان أميْرَيْنِ في الغَزْوِ، وأحدُهما قويٌّ فاجرٌ والآخرُ صالحٌ ضعيفٌ، فقال: أمّا الفاجرُ القويُّ فقوّتُه  للمسلمين وفجُورُه على نفسِه،  وأمّا الصالحُ الضعيفُ فصَلاحُه لنفسِه وضَعْفُه على المسلمين وقد قال النبيّr:”إنّ اللهَ يُؤَيِّدُ هذا الدينَ بالرجلِ الفاجرِ” متفق عليه.

ولِهٰذا كان النبي r يَسْتَعمِل خالدَ بنَ الوليدِ منْذُ أَسْلَمَ، وقال:”إنّ خالدًا سَيْفٌ سَلَّه الله    على المشركين” رواه أحمد، مع أنّه أحيانًا قد كانَ يَعْمل ما يُنْكِره النبيّ r، حتّى إنّه مرّةً قام ثمّ رفع يديه إلى السماءِ فقال:“اللّهمّ إنّي أَبْرَأُ مِمّا فَعل خالدٌ” رواه البخاري وأحمد والنسائي. ومع هذا فما زال  يُقَدِّمه في إمارةِ الحرْبِ، لأنّه كان أصْلَحَ في هذا الباب من غيرِه.

 (السياسة الشرعية: 20 وما بعدها باختصار)

)الشروطُ الواجبةُ في الإمام(

إِنّ أهمَّ الشروطِ التي يجبُ تَوافُرُها في الشَخْص المُرشَّحِ لتَوَلِّى مَنْصِبِ الإمام في نِظام الخِلافةِ الإسْلاميّةِ هوكما ياتِي:

1. الإسْلام: يجبُ أنْ يكونَ مسلمًا، لأنّ وظيفتَه نَفْسَها تَقْتَضِي هٰذا، فمُهِمّتُه إقامةُ الدينِ الإسْلاميّ وتَوْجيهُ سياسةِ الدولةِ في حُدودِ الإسلامِ، وما يَسْتطيع أنْ يقومَ بذلك على وجهِه الصحيح إلاّمسلمٌ يُؤْمِن بالإِسْلامِ ويَعْرِف مَبادِئَه واتِّجاهاتِه.قال اللهُ تعالى: } يآأيّها الذينَ آمنوا أطيعُوا الله واطيعُوا الرسولَ وأُولي الأَمْرِ منكم { النساء: 59.   وقال تعالى: } لايَتّحِدِ المؤمنونَ الكافرينَ أولياءَ من دُون المؤمنينَ { آل عمران: 28.

وهٰذا الشرطُ ظاهرٌ، إذ أن الغايةَ الأساسِيّةَ من مَنْصِب الإمامِ هي تَنْفيذُ شريعةِ الإسْلامِ. فكيفَ يُمْكن تنفيذُ هذه الشريعةِ، أوكيفَ تُرْعَى مصلحةُ الإسلامِ وأهْلِه إِنْ لَم يكُنْ مُتَولِّي هذا المَنْصِبِ مسلمًا.(البيعة في النظام الياسي الإسلامي: 64وما بعدها مختصرًا).

2. العَدالةُ  أي الدِيانةُ والأخلاقُ الفاضلةُ والأمانةُ، وهي أن تكونَ صادقَ اللَهْجةِ، عفيفًا عن المَحارمِ، مُتوقِّيًا المآثِمَ، مأمونًا في الرِضا والغضبِ، كما قال الماورديّ. وفي الجملة : التِزامُ الواجباتِ الشرعيّةِ، والامْتِناعُ عن المنكرات والمَعاصي المحرّمَةِ في الدين.

3. الكِفايةُ العلميّةُ : بأن يكونَ لَدَيْه من العلْمِ ما يُؤدِّي به إلى الإجْتهادِ فيما يَطْرأ من نوازِلَ وأحداثٍ. ولايكونُ مجتهدًا إلاّ إذا علمَ الأحكامَ الشرعيةَ وكيفيةَ اسْتِنْباطِها من مَصادِرها الشرعيّة الأربعة: وهي القرآنُ والسنةُ والإجماع والقياسُ. وأنْ يَعْرِف أحْوالَ العَضر وما طَرأ عليه من تَغيّراتٍ وَتطوُّراتٍ سياسيّةٍ واقْتِصاديّةٍ وإجْتِماعيّةٍ وثَقافيّةٍ.

4. حَصافةُ الرأي في القَضايا الِسياسيّةِ والحربيّةِ والإداريّةِ. قال الماورديّ: الرَأيُ المُفْضِي إلى سياسة الرعيّة وتَدْبيرِ المَصالِح.

5. صَلابةُ الصفاتِ الشخصيّةِ: بأن يَتميّزَ بالجُرْأةِ والشجاعةِ والنَجْدةِ، المؤدّيةِ إلى حماية البَيْضَةِ، وجهادِ العدوِّ، وإقامةِ الحُدودِ، وإنْصافِ المَظْلومِ مِن الظالِم، وتَنْفيذِ الأحْكامِ الإسلاميّةِ.

6. الكِفايةُ الجَسديّةُ: وهي سلامةُ الحَواسِّ من السمّعِ والبَصرِ واللسانِ، ليصحَّ معها مُباشَرةُ مايُدْرَك بِها، وسلامةُ الأعْظاءِ من نَقْصٍ يَمْنع عن استيفاءِ الحركةِ وسُوعةِ النُهوض.

(الفقه الإسلامي وأدلته : 6/ 694 وما بعدها مختصرًا)

7. الذُكورةُ : فقد اتّفقَ العلماءُ المسلمونَ على اشْتِراطِ الذُكورةِ لِمن يَتولَّى الإمامةَ في نظامِ الخِلافةِ الإسلاميّةِ. فلا يجوز للمرأةِ أن تَتولّى الإمامةَ اسْتنادًا إلى حديث واردٍ في مَعْرِض تَنْصيبِ امْرأةٍ على مَمْلكةِ فارس في عهد النبي r فقال:”لن يُفْلِح قومٌ ولّوا أمْرَهم امرأةً”. رواه البخارى وأحمد والنسائى والترمذى. فإِخْبار الرسول r بنَفْي الفلاح عَمَن يُولُّون أمْرَهم امْرأةً هو نَهيٌ عن تَوْلِيَتِها، وكونُ هذا الإخْبارِ جَاءَ إِخْبارًا بِالذَّمِّ لَهم بنَفيِ الفلاحِ عنهم،       فإنّه قرينةٌ على النَهْي الجازمِ.

    وكذٰلكَ استِنادًا إلى الواقعِ العَملِيّ في عهد الصحابة، وإلى طبيعةِ وظيفةِ الإمامةِ نفسِها من المَتاعبِ والعَملِ المُستمرِّ وقيادةِ الجُيوشِ وتَدْبيرِ الأمورِ، وعَقْدِ الاجْتِماعاتِ والمُفاوَضاتِ. ومِنْ أَظْهَرِ وظيفةِ الإمام إمامةُ المسلمين في الصلاةِ، وإقامةُ الجمعةِ وإلقاءُ الخطبةِ يُبَيّن فيها سياسةَ نظامِ الخِلافةِ الإسلاميّةِ، والمرأةُ عاجزةٌ عَنْ ذلك شَرْعًا أي أَنّ الشَرْعَ لا يُبيحُ لها أنْ تُصلِّى بالرجالِ، فإمامتُها باطلةٌ، وصلاةُ مَنْ ائْتمَّ بِها باطلةٌ.

 ( البيعة في النظام السياسي الإسلامى : 69 – نظام الحكم فى الإسلام : 53).

    وهناك شرطٌ آخرُ، وهو النَسْبُ:وهو أن يكونَ المُرشَّح للخِلافةِ من قُرَيْشٍ. وهذا الشرطُ مُختَلفٌ فيه. واستدلَّ الجمهورُ في اشتراط النَسب ِالقُرَشِيٌّ بقوله r “الأئمّةُ من قريشٍ”. رواه أحمد وغيره، وبقوله r “الناسُ تَبَعٌ لقريشٍ في الخير والشرِّ” رواه مسلم. والحديث في هذا المعنى كثيرٌ. واسْتدلّ القائلون بعدم اشتراطِ النَسبِ القُرَشِيّ بِقوله r ” اسْمَعُوا وأطيعُوا وإن اسْتُعْمِل عليكم عبدٌ حَبَشِيّ، كأنَّ رأسَه زبيبةٌ” رواه البخاري. وفي روايةٍ لمسلم:      “وإن كان عبدًا حَبَشِيّا مُجَدَّعَ الأَطْرافِ”، ونرَى في هذا الشَرطِ أن يَكون الإمامُ في عَصْرنا هٰذا مُؤَيّدًا من الجماعة التي لها قوّةٌ سياسيّةٌ واقعيّةٌ، ومَكانةٌ  قِياديّةٌ  في المُجْتَمَع.  قال ابن خَلْدون: وأمّا النصوصُ من الأحاديث النبويّةِ والوقائعِ التاريخيّة  التي يستَنِد إليها العلماءُ المسلمونَ   في الشْتراطِ القُرَشِيّة فهي من باب السياسةِ الشرعيّةِ المُتغيّرةِ بتَغَيُّرِ العَواملِ والظُروفِ، وليسَتْ من باب المَبادِئ العامّةِ الثابتةِ. ( البيعة في النظام السياسي الإسلامى: 70 وما بعدها بتصرف)

) الْوَرَعُ وترْكُ الشُبُهاتِ(

 

قال القُشَيْريّ رحمه الله : الْورعُ تركُ الشُبُهاتِ(1)، وقال الشيخ زكريّا رحمه الله : الورعُ تركُ الشُبُهاتِ وهوالورعُ المندوبُ، ويُطْلَق على تركِ المحرّماتِ وهوالورعُ الواجبُ(2). وقال أبو الحسنِ الْجُرْجانيّ رحمه الله : الورعُ اجْتِنابُ الشُبُهاتِ خوفاً من الوقوعِ  في المحرّماتِ (3)، وقال ابْنُ تيميّة رحمه الله : الورعُ ترْكُ ما يُخاف ضَررُه في الآخرة (4).  والشُبْهةُ مالم يَتّضِحْ وَجْها حِلِّه وحُرْمَتِه(5).

ومن أمْثلةِ هٰذا ما حدثَ لأُخْتِ بِشْرٍ الحافِي رضي الله عنهما من أنّها جاءَتْ إلى الإمام أحْمدَ وقالَتْ : إنّا نَغْزِل في سُطوحِنا، فتَمُرّ بنا مَشاعِلُ الطاهريّةِ ويقَع الشُعاعُ علينا، أفيَجوز لنا الغَزْلُ في شُعاعِها ؟ فقال أحمد : مَنْ أَنْتِ – عافاكِ اللهُ – ؟ فقالَتْ : أخْتُ بِشْرٍالحافي، فبَكى وقال : مِنْ بَيْتكم يَخْرُج الوَرعُ الصادقُ، لا تَغْزِلي في شُعاعِها. وقيل لإبراهيمَ بْنِ أدْهمَ : ألا تَشْرب من ماءِ زمزمَ ؟ فقال : لوكان لي دَلْوٌ لَشَرِبْتُ (6).

       وأصْلُ هٰذا قولُ رسولِ الله r : ” إنّ الحلالَ بَيّنٌ، وإنّ الحرامَ بيّنٌ، وبَيْنهما مُشْتَبِهاتٌ لا يَعْلمُهنَّ كثيرٌ من الناس، فمَنْ اتّقَى الشُبُهاتِ اسْتَبْرَأَ لدينِه وعِرْضِه، ومَنْ وقَع في الشُبُهاتِ وقعَ في الحَرام، كالراعِي يَرْعي حولَ الحِمَى يُوشك أنْ يَرْتع فيه، ألاَ وإنّ لكلِّ مَلِكٍ حِمًى، ألا وإنّ حِمَى اللهِ مَحارِمُه، ألا وإنّ في الجَسدِ مُضْغَةً إذا صَلَحَتْ صَلَح الجسدُ كلُّه، وإذا فَسَدَتْ فَسَد الجسدُ كلُّه، ألا وهي القلبُ” متفق عليه.

       قال النوويّ رحمه الله : أجْمعَ العلماءُ على عظَمِ مَوْقِعِ هٰذا الحديث وكثَرةِ فوائدِه، وأنّه أحدُ الأحاديثِ التي عليها مَدارُ الإسْلامِ. وسببُ عِظَمِ مَوْقعِه أنّه r نَبّه فيه على إصْلاحِ المَطْعَمِ والمَشْرَبِ والمَلْبَسِ وغيرِها، وحَذّر من مُواقَعهِ الشُبُهاتِ، ثم بيّن أهمَّ الأمورِ وهو مُراعاةُ القلبِ. واحْتُجَّ بِهٰذا الحديث على أنّ العقلَ في القلبِ لا في الرأسِ، وفيه خلافٌ مشهورٌ، مذهبُ أصْحابِنا وجماهيرِ المتكلّمينَ أنّه في القلبِ. قال الله تعالى: ﴿أفلَمْ يَسيرُوا في الأرْضِ فتكونَ لَهم قلوبٌ يَعْقِلون بِها

الحج : 46 (7)

وفي هذا يَنْبغي لكلّ مؤمن أن يَتذَكّر أبدًا الأشياءَ الثلاثةَ التي نَبّه عليها الشيخ عبدُ القادر الجيلانيّ رحمه الله في ” فُتوح الغيبِ”. قال رحمه الله : لابدَّ لكلّ مؤمنٍ في سائِر أحْوالِه مِنْ ثلاثةِ أشياءَ : أمْرٍ يَمْتَثِله، ونَهْيٍ يَجْتَنِبه، وقَدَرٍ يَرْضى به. قال ابْنُ تيميّةَ رحمه الله : هٰذا كلامٌ شريفٌ جامعٌ يَحْتاج إليه كلّ أحدٍ، وهو تفصيلٌ لِما يَحْتاج إليه العبْدُ. قال الله تعالى: ﴿ إِنّه مَنْ يَتّقِ ويَصْبِرْ فإنّ الله لا يُضيعُ أجْرَ المُحْسنينَ﴾. يوسف : 90. فإنّ التقوى يَتضمّنُ فعْلَ المأمورِ وترْكَ المَحْظورِ، والصبْرَ يَتضمّنُ الرِضا بالمَقْدورِ(8)

قال رسول الله r :” من اقتَطعَ حقَّ امْرىءٍ مسلمٍ بيمينِه فقد أوْجبَ اللهُ له النارَ، وحَرّم عليه الجنّةَ ” فقال رجلٌ: وإن كانَ شيئًا يسيرًا يا رَسول الله ؟ فقال:” وإِنْ قَضِيبًا من أراكٍٍ “

 رواه مسلم (9)

___________________________________

(1) و (6) الكفاية : 10                             (4) أصول المنهج الإسلامي : 580         (9) رياض الصالحين : 116

(2) و (5) دليل الفالحين : 3/26                   (7) شرح مسلم : 11/27 وما بعد مختصرا

(3) التعريفات : 224                       (8) مجموع الفتاوى : 10/455

﴿ مَسألةٌ في المَعازِف﴾

 

عن عبد الرحمن بْنِ غَنْمٍ قال: حدّثنِي أبو عامرٍ أوأبومالكٍ الأشعريّ أنّه سمِع النبيَّ B يقول:   “لَيكونَنَّ من أمّتِي قومٌ يَسْتحِلّونَ الحِرَ والحريرَ والخمْرَ والمعَازِفَ” أخرجه البخاري، والمعَازِفُ:المَلاهي، قاله الجوهريّ وغيرهُ. قال الحافظ العراقيّ في“حمل الأسفار”:هذا الحديث صورتُه عند البخاري صورةُ التعليقِ، ولذٰلك ضعّفه ابْنُ حزمٍ، ووصَله أبوداود والإسْماعيليّ.

وعن نافِعٍ “أنّ ابْنَ عمر سمِع صوتَ زَمّارةِ راعٍ، فوضَع أُصْبُعَيْهِ فِي أُذُنَيْه وعدَل راحلتَه عن الطريق وهو يقول:يانافِعُ أتَسْمَع؟ فأقولُ: نَعم، فيَمْضي حتىّ قلتُ لا، فرَفَع يدَه وعدَل راحلتَه إلى الطريق وقال: رأيتُ رسولَ الله B سمِع زَمّارةَ راعٍ فصَنَع مثلَ هذا“رواه أحمد وأبوداود وابن ماجه. هذا الحديث أوْرَده الحافظُ في“التلخيص” وسكتَ عنه. وقال أبو عليٍّ وهو اللُؤلؤيّ : سمعتُ أباداود يقول: هو حديثٌ منكر.

وعن عبد الله بنِ عمر أنّ النبيّ B قال:”إنّ اللهَ حَرّم الخمرَ والمَيْسرَ والكُوبَةَ والغُبَيْرَاءَ،    وكلّ مُسْكِرٍ حرامٌ” رواه أحمد وأبوداود. الكُوبَةُ : الطَبْلُ، وقيل: النَرْدُ. والغُبَيْرَاءُ أُخْتُلِف في تفسيرها، فقيل: الطُنْبور، وقيل : العُودُ، وقيل المِزْرُ وهو نَبيذُ الشَعيرِ. وقال أبوداود: شَرابٌ يَعْمَله الحَبَشَةُ. وهذا الحديثُ سكتَ  عنه الحافظُ في“التلخيص” أيضًا، وفي إسْناده الوليدُ بْنُ عَبْدَةَ الراوي له عن ابن عمر. قال أبوحاتمٍ الرازي: هومجهولٌ، وقال المُنْذِري: إنّ الحديثَ معلولٌ، ولكنّه يَشْهد له ما أخرجه أحمد وأبوداود وابْنُ حبّان والبيهقى من حديث ابْن عبّاسٍ بنحوه.

وَفي الباب  أحاديثُ كثيرةٌ، وَقد وضَع جماعةٌ  من أهلِ العلم  في ذلك  مُصَنَّفاتٍ،  ولكنّه ضَعّفهاجميعًا بعضُ أهلِ العلمِ، حتّى قال ابْنُ حزمٍ: إنّه لا يصحّ في الباب حديثٌ أبدًا. وقد اختُلِف في الغِناء مع آلةٍ من آلاتِ المَلاهي وبدونِها، فذهبَ الجمهورُ إلى التحرِيم مُسْتَدِلّين بِما سلَف. وذهبَ أهلُ المدِينةِ ومَنْ وافقَهم مِنْ علماءِ الظاهر وجماعةٍ من الصُوفيةِ إلى التَرْخيص في السماعِ ولومع العُودِ واليَراعِ. وقد حكى الأستاذُ أبومنصورٍالبغداديّ الشافعي في مُؤَلَّفِه في السماعِ أنّ عبدَ الله بْنَ جَعْفرٍكان لايَرى بالغِناء بأسًا، ويَصوغُ الألْحانَ لجَواريه ويَسْمعها منهنّ على أوتارِه، وكان ذلك في زمنِ    أميرِ المؤمنينَ عليٍّZ.

وحَكى الأستاذُ المذكور مثلَ ذلك أيضًا عن القاضي شُرَيْح وسعيد بْنِ المسيّب وعطاء بْنِ أبي رَبَّاح والزُهريّ والشَعبيّ. وقال إمامُ الحرمين في “النهاية” وابنُ أبي الدَم: نَقل الأثْباتُ مِن المُؤرِّخين أنّ عبدَ الله بنَ الزُبير كان له جَوارٍ عَوّاداتٌ، وأنّ ابن عمر دخل عليه وإلى جَنْبِه عُودٌ فقال: ما هٰذا ياصاحبَ رسولِ الله ؟ فناوَله إيّاه، فتأمَّله ابْنُ عمر فقال: هٰذا ميزانٌ شاميٌّ، قال ابْنُ الزبير:يُوزَنُ به العُقولُ.

ورَوى العَلاّمة الأديبُ أبو عمر الأندلُسيّ أنّ عبدَ الله بْنَ عمر دخل على ابْنِ جعفرٍ، فوجدَ عنده جاريةً في حِجْرها عُودٌ، ثمّ قال لابن عمر: هل ترى بذلك بأسًا؟ قال: لا بأسَ بِهذا.

وحكى الماورديّ عن معاويةَ وعَمْروبْنِ العاص أنّهما سمِعا الْعُودَ عند ابْنِ جعفرٍ. ورَوى أبوالفَرَج الأَصْبهانيّ أنّ حَسّانَ بْنَ ثابتٍ سمِع من عَزَّةَ المَيْلاءِ الغناءَ بالمِزْهَر بشِعْرٍ من شِعْرِه. وذكَرالأدْفَوِيّ الشافعيّ شارحُ مختصرابْنِ الحاجب أن عمرَ بنَ عبدِ العزيز كان يَسْمع من جَواريه قبل الخلافةِ. وحكى الرُويانيِّ عن القَفّال أنّ مذهبَ مالكِ بْنِ أنسٍ إباحةُ الغِناءِ بالمَعازِف.     وحكى الأستاذ أبومنصورٍ والفَوْرانِيّ عن مالكٍ جوازَالعُود. وذكَر أبوطالبٍ المكِّيّ في قُوت القلوب” عن شُعْبةَ أنّه سمِع طُنْبورًا في بيت المِنْهال بْنِ عَمْرٍو المُحدِّثِ المشهورِ. وحكى أبوالفَضْلِ بْنِ طاهرٍ  في مُؤلَّفه في السماع أنّه لا خلافَ بينَ أهْلِ المدينةِ في إباحة العُود. قال ابْنُ النحويّ في“العُمْدة”  قال ابْنُ طاهر: هو إجْماعُ أهلِ المدينةِ. قال رسول الله B “إنّ الأنْصارَ يُعْجِبُهم اللهْوُ”.

 رواه البخاري.

وحكى الماورديّ إباحةَ العُودِ عن بعض الشافعيّة. وحكاه أبوالفَضْلِ بْنِ طاهرٍ عن          أبي إسْحاقَ الشيرازيّ، وحكاه الأسْنَويّ في المهمّات” عن الرويانيّ والماورديّ. وحكاه الأدْفَوِيّ   عن الشيخ عزِّ الدين بْنِ عبدِ السلام. وهؤلاء جميعًا قالوا بتَحْليل السَماع مع آلةٍ من الآلاتِ المعروفةِ. وأمّا مجرّدُ الغِناءِ من غير آلةٍ فقال الأدْفَوِيّ في “الإِمْتاع“: إنّ الغزّالي في بعض تآليفه الفقهيّة نقَل الاتّفاقَ على حِلّه. ونقَل ابْنُ طاهر إجْماعَ الصحابةِ والتابعين عليه. ونقَل التاجُ الفَزاريّ وابْنُ قُُتَيْبةَ إجْماعَ أهْلِ الحرمَيْن عليه. وقال الماورديّ : لَم يزَلْ أهلُ الحجازِ يُرخِّصونَ فيه في أفضلِ أيّامِ السنةِ المأمورِ فيه بالعبادة والذكرِ. وأمّا المانعونَ من ذلك فاسْتدلّوا بأدلّةٍ منها حديثُ أبي مالك أو ابي عامرٍ المذكورُ في أوّل الباب. والأحاديثُ في هذا كثيرةٌ قد صَنّف في جمعها جماعةٌ من العلماء كابْنِ حزْمٍ، وابْنِ طاهر، وابْنِ أبي الدنيا، وابْنِ حَمْدانَ الأَرْبِليّ، والذهبيّ، وغيرِهم.

وقد أجابَ المُجوِّزون عنها بأنّه قد ضَعّفها جماعةٌ من الظاهريّة والمالكيّةِ والحنابلةِ والشافعيةِ، وقد تقدّم ماقاله ابْنُ حزمٍ ووافقَه على ذلك أبوبكرِبْنِ العربيّ في كتابه”الأحكام” وقال:لم يصحَّ     في التحريمِ شيءٌ، وكذلك قال الغزّالي وابْنُ النحويّ في”العُمْدة”،وهكذا قال ابْنُ طاهر: إنّه لَم يصحَّ منها حرفٌ واحدٌ. والمرادُ ما هو مرفوعٌ منها، وإلاّ فحديث ابْنِ مسعودٍ في تفسيرقوله تعالى:     ﴿ومنَ الناسِ مَنْ يَشْتَري لَهْوَ الحديثِ لِيُضِلَّ عَن سبيل اللهصحيحٌ، وقد ذكَر هذا الاستثناءَ  ابْنُ حَزْمٍ فقال: إنّهم لوأسنَدوا حديثًا واحدًا فهو إلى غيرِ رسول الله B، ولا حُجَّةَ في أحدٍ دُونه،

كما رُوي عن ابْنِ عبّاس وابْنِ مسعودٍ أنّهما فَسّرا اللَهْوَ بالغِناء. قال: وهٰذه صفةٌ مَنْ فعَلها كانَ كافرًا،  ولوأنّ شخصًا اشْتَرى مُصْحفًا لِيُضِلّ به عن سبيل الله ويَتّخِذَها هُزُوًا لكانَ كافرًا، فهذا  هو الذي   ذَمّ اللهُ تعالى، وما ذَمّ من اشْتَرى لَهْوَا الحديثِ لِيُرَوِّح به نفسَه لا لِيُضِلّ به  عن سبيل الله.

قال الغزّالي رحمه الله:  ولو قَرأ القرآنَ لِيُضِلّ به عن سبيل الله  لكانَ حرامًا. حُكي عن بعض المنافقين أنّه كان يَؤُمّ الناسَ ولا يَقْرأ إلاّسورةَ عَبَسَ، لما فيها من العِتاب مع رسول B فهَمَّ عمرُ بقتلِه، ورأى فِعْلَه حرامًا  لما فيه من الإضْلالِ،  فالإضْلالُ بالشِعْر والغِناء أولى بالتَحْريم. ومِنْ جملة ما اسْتَدلّوا به حديثُ  “كلُّ  لَهْوٍ  يَلْهُو  به المؤمنُ فهو باطلٌ  إلاّ  ثلاثةً:  مُلاعَبةَ  الرجلِ أهلَه، وتأديبَه فَرَسَه،  ورَمْيَه عن  قَوسِه” قال الغزّالي: قُلْنا قولُه B” فهو باطلٌ” لايَدلّ على التَحْريم بل يَدلّ على عدم الفائدةِ انتهى. وهوجوابٌ صحيح، لأنّ مالا فائدةَ فيه من قِسْم المُباحِ. وأجاب المُُُجوِّزونَ عن حديث ابن عمر المتقدّم في زَمّارة الراعي بِما تقدّم من أنّه حديثٌ منكر، وأيضًا لو كان سَماعُه حرامًا لَما أباحَه B لابْنِ عمر ولا ابْنُ عمر لنافعٍ ولَنَهى عنه وأمرَ بكَسْر الآلةِ، لأنّ تأخيرَ البيانِ عن وقتِ الحاجةِ لا يجوزُ. وأمّا سَدُّه B لسَمْعِه فيَحْتَمِل أنّه تَجنّبَه كما كان يَتجنّبُ كثيرًا من المُباحاتِ، كما تَجنّبَ أن يَبيتَ في بيتهِ درهمٌ أو دينارٌ وأمثالُ ذلك.

ومن جُمْلة ما قالَه المُجوِّزون أنّا لوحكَمْنا بتحريم اللَهْوِ لكونه لَهْوًا لكان جميعُ ما في الدنيا مُحرَّمًا لأنّه لَهْوٌ، لقوله تعالى﴿إنّما الحياةُ الدنيا لَعِبٌ ولَهْوٌ. ويُجاب بأنّه لا حُكمَ على جميع   ما يَصْدُق عليه مُسَمّى اللَهْوِ لكونه لَهْوًا، بل الحكمُ بتحرِيم لَهْوٍ خاصٍّ وهو لهْوُ الحديث المَنْصوصُ عليه في القران، لكنّه  لَمّا  عَلّل في الآيةِ بعلّةِ  الإضْلالِ عن سبيل الله لَم  يَنْتَهِضْ للاستِدْلال  به  على المَطْلوبِ. وإذا تَقرّر جميعُ ما حَرّرْناه من حُجَج الفريقَيْن فلا يَخْفى على الناظِر أنّ مَحلَّ النـزاعِ إذا خرَج عن دائرةِ الحرامِ لم يَخْرُجْ عن دائرةِ الاشْتِباهِ، والمؤمنونَ وقّافُون عند الشُبُهاتِ، ولا سِيمَا إذا كان مُشْتمِلاً على ذكرِ القُدودِ والخُدودِ والجَمال والدَلالِ ومُعاقَرةِ العَقارِ وخَلْعِ العِذار.       قال القَرْضاويّ: لا بدَّ أن يكونَ موضوعُ الغِناءِ ممّا لا يُخالف أدبَ الإسلام وتعاليمَه، وربّما كانَ الموضوعُ غيرَ مُنافٍ لتوجيهِ الإسلام، ولكن طريقةُ أداءِ المُغَنِّي له تَنْقُله من دائرةِ الحِلِّ إلى دائرةِ الحُرْمَةِ.

(نيل الأوطار: 8/100 وما بعدها مختصرا – الإحياء: 2/316 – الحلال والحرام في الإسلام:294)

  ﴿ أحَاديثُ مشْهورةٌ على الألْسِنَة   

1. “الدِينُ هوالعَقْلُ” قال النسائي: هذا حديث منكر، وقدأخرج الحارثُ بْنُ أبي أُسامةَ فى مسنده بِضْعًاوثلا ثين حديثا فى فضل العقلِ – قال الحافظ ابن حجر: كلها مَوْضوعة، ومنها هذا الحديثُ كما ذكره السيوطى في “ذَيْل اللآلي المَصْنُوعة”. وقال العلا مة ابْنُ القيم في “المْناَر“:    أحاديثُ العقلِ كلها كَذِبٌ

2.  الحديثُ في المسجد يأكل الحسناتِ كما تأكل البَهائمُ الحشيشَ قال الحافظ العراقي لَم أقِف له على أصلٍ- وقال عبدُ الوهابِ بْنُ تَقِي الدين السُبْكى فيالطبَقات لَم أجِد له إسْنادًا-والمشهورعلى الألسنة  الكلامُ المباح في المسجد يأكل الحسناتِ كما تأكل النارُ الحطَبَ

3. اعْمَل  لدنياكَ  كأنكَ  تَعيشُ  أبداً، واعْمَل  لآخِرتك كأنكَ  تَموتُ غدًا لا أصلَ له مرفوعًا  وإنْ اشْتَهر على  الأ لسنة في الأزمنة  المتأخِرة  –  ورواه ابنُ قُتَيْبةَ في ”غريب الحديث “عن عبد الله  بْنِ عمر، فذكرَه موقوفاً عليه إلا أنه قال:   احْرُثْ. “

4. صِنْفان من أمتى  إذا  صَلَحا صلَح الناس: الأمراءُ والفقهاءُ. وفي رواية : العلماءُ . موضوع، أخرجه تمام  فيالفوائد وأبونعيم فىالحِلْية وابن عبدالبَر فىجامع البيان من طريق محمد بْنِ زيادٍ اليَشْكُري، ومحمدبنُ زيادٍ هذا قال أحمد: كذاب أعْورُ يَضَع الحديثَ. وقال ابن مَعين والدارَقطني :كذابُ، وكذبه أبوزَرْعةَ أيضًا وغيرُه-

5. حَسْبِي مِنْ سُؤالي عِلْمُه بِحالِي

      لا أصلَ له، وأوْرَدَه بعضهم من قول إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وهو من الإسرائليات وقد ذكره البغوي في تفسير سورة الأنبياءِ مُشيرًا لضَعْفِه فقال: رُوِي عن كَعْب الأخْبار أن إبراهيمَ عليه الصلاة والسلام لمارَمَوا به في المَنْجنِيق إلى الناراسْتَقْبَله جبريلُ فقال: يا إبراهيمُ، ألَكَ حاجةُ ؟  قال: أما  إليكَ  فلا، قال  جبريلُ: فسَلْ  رَبَّك فقال  إبراهيم: (حَسْبي مِنْ سُؤالي علمُه بحالي) – وقد أخَذ هذا المعنى بُعض  من  صَنف فى الحكمة  على  طريقة الصوفية  فقال : سؤالك منه (من الله) اتّـهامٌ له- وهذه ضلا لة كبرى، فهل كان الأنبياءُ صلوات الله عليهم مُتّهِمين لربِّهم حتى سألوه مختلفَ الأسئلة، وأدعيةُ الأنبياءِ فى الكتاب والسّنة  لا تكاد تُحصَى،  ولِهٰذا قال :r (الدعاء هوالعبادة) ثم تلا قوله تعالى﴿ وقال ربّكم ادعوني أَسْتجِبْ لكم إنّ الذين يَستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنّمَ داخرين أخرجه أصحاب السنن بسند صحيح – قال ابن عِراق  فى (تنـزيه الشريعة) قال ابن تيميةَ : موضوعٌ-.

                                                               (السلسلة : 1/ 13وما بعدها مختصرا)

6. ” صلاةٌ بعَما مةٍ تَعْدِل خَمسًا وعشرين صلاةً بغير عَما مةٍ “

      قال الحافظ ابْنُ حجرٍ في ” لسان الميزان ” هذا حديث موضوع ، ونَقَله السيوطي في           ” ذَيْل الأ حاديث الموضوعة”  وأ قَرّه، وتَبِعه ابْنُ عِراق. ونقَل الشيخ عليّ ا لقارئ           في ” موضوعاته “ عن المَنوفيّ أ نّه قال : هٰذا حديث باطل.

7. ” أَحِبّوا  ا لعَرَبَ لثلاثٍ : لأني  عربيُّ،  والقرآ نَ  عربيُّ،  وكلامَ أهلِ الجنّةِ عربيُّ “ أَوْرَدَه ابْنُ الجَوْزِيّ” في “الموضوعات” من طريق العُقَيْليّ ثم قال : قال العُقيلي: منكرٌ لا أصلَ له وأورده ابن تيميةَ في الاقتضاء من طريق العقيليّ وأنّه قال: لا  أصل  له. وممّا  يدُلّ  على  بُطْلانِ نسبةِ الحديثِ  إليه r أ نّ فيه افتخارَه r بعروبَتِه، وهذا شيء غريبٌ في ا لشَرْعِ الإسلاميّ لا يَلْتئِم  مع قوله تعالى : ﴿ إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ وقو لِه r:”لا فضلَ لعربيّ على عجميّ ……. إلا بالتقوى”.

                                                                          -رواه أحمد بسند صحيح –

8 . ” اختلافُ أمّتي رحمةُ “.

     لاأصلَ له. ولقد جَهَد المحدِّثون في أن يَقِفوا له على سندٍ فلم يُوَفَّقوا. ونَقل المناوي عن السبكي أنّه قال:  وليس  بِمعروفٍ عند المحدِّثين، ولَم أَقِفْ  له على سندٍ صحيح ولاضعيف ولا موضوع. ثم إنّ معنى  الحديثِ مُسْتَنْكَر عند المحقّقين من ا لعلماء، فقال العلاّمة ابن حزمٍ في“الإِحْكام”: وهٰذا  من  أَ فْسدِ قول  يكون، لأ نّه  لوكان  الاختلافُ رحمةً  لكان  الا تّفاقُ سُخْطاً،    وهٰذا مالا يقوله  مسلمٌ . وقال في مكانٍ آخرَ: باطلٌ مكذوبٌ.

9. ” مَنْ عَرَف نفسَه فقد عرف ربَّه “.

      لا أصلَ له ، قال ابْنُ ا لسَمْعانيّ : لا يُعْرَف مرفوعاً، وإ نّما يُحْكى عن يحي بْنِ مُعاذٍ الرازيّ من قوله، وكذا قال النوويّ : إنه ليس بثابتٍ. ونقل السيوطي في“ذيل الموضوعات”       كلامَ النوويّ هذا وأقرّه.

10. ” نِعْمَ المُذكِّرُ السُبْحَةُ ”

      موضوع، أخرجه الدَيْلمي في “مسند ا لفردوس” وآفتُه ا بْنُ المنصورِ الْها شميّ، فإنّه كان يَضَع الحديثَ . وقال الدارَقطني: لاشيءَ ، وقال ا بْنُ عساكر: يضع الحديث، ثم ساق له حديثاً      ثمّ قال: هذا من موضوعاته . وكذلك ا تّهمَه الخطيبُ، فقال : يُتّهَم با لوَضْع.

 )السلسلة : 1/ 110 وما بعد ها مختصراً(

11. ” لأَنْ أحْلِفَ بالله وأكذِبُ أحبُّ اليّ من أن أحلِفَ بغيرالله وأصْدُقُ “

     موضوع  أي  مرفوع ا أخرجه  أبونعيم من طريق  محمّدبْنِ معاويةَ، كذّبه الدارَقطني،    وقال ابن مُعين : كذّابٌ. والمعروفُ كما ذكره أبونعيم أنّ الحديث من قول ابن مسعود، كذلك رواه الطبرانيّ في“الكبير” بسند صحيح.

12. ” حَسناتُ الأ بْرارِ سَيِّئا تُ المقرَّبين”.

      باطلٌ لا أصْلَ له أي مرفوعا. والظاهر أنّ الغزّاليّ لَمْ يذكُرْه حديثا، وإنّما أشار أنّه من قول أبي سعيدٍ الخرّاز الصوفيّ ثمّ معنى هذا الحديث غيرصحيح،  لأنّ الحسنة  لا يمكن أن تصيرَ سيّئةً أبدا مهما كانت مَنْزِلةُ من أتى بـها.

13. ” الناسُ نِيامٌ، فإذا ماتوا انْتَبَهُوا “

     لا أصل له. قال الحافظ العراقيّ وتَبِعه التاج السكيّ: لَمْ أجِدْه مرفوعا، وإ نّما يُعْزَى إلى عليّ بنِ أبى طالب.

14. ” سوءُ الخُلُقِ ذنبٌ لايُغْفَر “

     باطل لا أصلَ له. قال التاج السبكيّ في “الطبقات”: لَمْ أجِدْ له إسنادًا. والحديث مُعارِض لقوله تعالى ﴿ إن الله لايغفر أن يُشْرَك به ويغفر مَا دون ذلك لمن يشاءُ﴾.

15. ” الصلاةُ فى العما مة تَعْدِل بعَشْرَةِ آلافِ حسنةٍ “

     موضوع،  أورده السيوطيَّ في “ذَيْل الأحاديثِ الموضوعة“، وتَبِعه ابْنُ عراقٍ في “تنزيه الشريعة “. وقال  الحافظ السَخاويّ فى “المقاصد” تبعاً  لشيخه الحافظِ ابنِ حجر: إنّه موضوع. ولا شكّ  في بُطْلانِ هذا الحديث، لأنّ الشارعَ الحكيم يَزِن الأمورَ بالقِسْطاس المستقيم، فغيرُ معقولٍ     أن يجعل أجْرَالصلاة في العمامة  مثلَ  أجرِصلاة الجماعة  بل أَضْعافَ  أضعافِها، مع ا لفارِق الكبير بين حكمِ ا لعما مة وصلاة الجماعة، فإنّ العمامة غايةُ ما يمكن أن يقال فيها إنّها مستحبّة، والراجح أنّها من سُنَن العادة لا من سنن العبادة. أمّا صلاة الجماعة فأقلّ ما قيل فيها إنـها سنةٌ مؤكّدة، وقيل: إنّها ركنٌ من أركان الصلاة لاتصحّ الصلاة إلابِها، والصواب أنّها فريضةٌ تصحّ الصلاة بتركها مع الأثم الشديد ولعلّ الحافظَ ابنَ حجر لا حَظ هذا المعنى حيث حَكم على الحديث با لوضع                                               ( السلسلة : 1/ 128 ومابعدها مختصرا )

16. ” احْتَرِسُوا من الناسِ بسُوءِ الظَنِّ “

      ضعيف جدًّا، أحرجه الطبراني في “الأوسط” وابْنُ عدي من طريق بَقِيّةَ بْنِ الوليدِ عن مُعاويةَ بْنِ يَحْيى. قال الهَيْتَمي فى “المَجْمَع” بَقِيَّةُ بْنُ الْوليدِ مُدَ لِّس، وبقيّةُ رجالِه ثِقاتٌ كذا قال، ومُعاويةُ بْنُ يحيى ضعيف جدًّا، وقد ساقَ له الذَهَبي أحاديثَ مما أُنْكِرَ عليه، هذا أحدُها .

     ثمّ إنّ الحديثَ منكر لمخالَفتِه للأحاديث الكثيرة التي يأمر النبيُّ r فيها المسلمين بأن لايُسِيئوا الظنَّ بإخوانِهم، منها قوله r: “إياّكم والظنَّ، فإنَ الظنَّ أكْذَبُ الحديثِ “.رواه البخاري وغيره

17. ” البِطْنَة أصْلُ الداءِ، والحِمْيَة أصلُ الدواءِ “

      لا أصل  له، قال  الحافظ  العِراقي: لَمْ أجِدْ له أصلاً، وقال ابنُ القيّم فى “زادالمَعاد“: وأمّا الحديث الدائر على ألسنة  كثيرٍمن الناس “المَعِدّة بنتُ الداءِ، والحِمْيَة رأسُ الدواءِ” فهذا الحديث إنّما هو من كلام الحارثِ بْنِ كَلْدةَ طبيبِ العربِ، ولايصحّ رفعُه إلى النبي r، قاله غير واحدٍ من أئمّة الحديث.

18. ” لو لاكَ لما خلقتُ الأفلاكَ ”

      موضوع  كما  قاله  الصَغاني فى “الأحاديث الموضوعة” وفي  رواية ابْنِ عَساكر “لولاكَ ما خلقتُ الدنيا” قال ابن الجَوْزي : موضوع .

19. “من قرأ سورةَ الوقعةِ في كلّ ليلةٍ  لَمْ تُصِبْه فاقةٌ أبداً “

      ضعيف،  أخرجه الحارثُ بْنُ أبي أُسامةَ فى “مسنده” وابنُ السُنّي في”عمل اليوم والليلة” وغيرُهما، وقد أجمعَ على ضعفه أحمد وأبوحاتم وابنه والدارقطني والبيهقي وغيرُهم.

20. “اطلبوا العلمَ ولو بالصين ”

      باطل، رواه ابن عديّ وغيرُه من طريق الحسن بْنِ عطيّةَ عن أبي عاتكةَ طريفِ بنِ سَلمانَ. وأخرجه العقيليّ في “الضعفاء” وقال : ولايُحْفظ “ولوبالصين” إلا عن أبي عاتكةَ، وهومتروك الحديث. فآفة الحديث أبوعاتكةَ هذا، وهومتّفَق على تضعيفه، بل ضعّفه جداًّ البخارى بقوله: مُنْكر الحديثِ، وذكره السليماني فيمن عُرِف بوضع الحديث، وعن المِرْوَزيّ أنّ الامام أحمد ذُكِر له هذا الحديث فأنكره إنكارا شديدا. وقد أورده ابن الجوزيّ في “الموضوعات” وقال: قال ابن حباّن : باطل لاأصل     ( السلسلة :1/ 186 وما بعدها مختصرا ) .

21. ” مَنْ  صَلّى ستَّ ركعاتٍ بعد المغربِ قبل أن يتكلّمَ غُفِر له بـها ذنوبُ خمسينَ سنةً “

     ضعيف جدًّا، أخرجه ابن نَصْرٍ في ” قيام الليل” من طريق محمّدِ بْنِ غَزْوانَ الدِمَشْقِيّ. قال ابْنُ أبي حاتم : قال أبو زَرْعةَ : اضْرِبوا على هذا الحديثِ، فإنّه شِبْهُ موضوعٍ، ومحمّد بْنُ غَزْوانَ  الدِمَشْقِيّ منكرُ الحديثِ.

22.” ليس بخيركم مَنْ تَركَ دُنياهُ لآخرتِه، ولا آخرتَه لدُ نْياه حتّى يُصيبَ منهما جميعًا، فإنّ الدنيا بَلاغٌ إلى الآخرةِ “ باطِل، رواه الخطيب من طريق محمّدِ بْنِ هاشمٍ البَعْلبكي عن يَزيد بْنِ زيادٍ البَصْرِيّ. وآفتُه يزيد هذا، قال البخاري : منكرُ الحديث، وكذا قال أبوحاتمٍ. وقد رُوي موقوفاً على حذيفةَ، وهذا الموقوف مع ضَعْفِه أولى من المرفوع  لشدّةِ ضعفِ إسنادِ المرفوعِ.

( السلسلة : 1/ 507)

23. ” مارَآه المسلمون حَسناً فهو عند الله حَسنٌ “ الحديثَ. لا أصلَ له مرفوعًا، وإنمّا ورد موقوفًا على ابْن مسعود، قال: “إنّ اللهَ نظر في قُلوب العبادِ، فوجدَ قلبَ محمّدٍ r خيرَ قلوبِ العبادِ، فاصْطفاه لنفسه فابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوبِ العباد بعد قلبِ محمّد r، فوجد قلوبَ أصحابِه خيرَ قلوبِ العبادِ، فجَعَلهم وُزراءَ نبيِّه يقاتلون على دينه، فما رآه المسلمون حَسنًا فهو عند الله حَسنٌ “ أخرجه أحمد وغيره.  وزاد الحاكم فى آخره: “وقد رأى الصحابةُ جميعًا أن يَسْتحلفوا أبابكرٍ t” وقال صحيح ووافقه الذهبيّ، وقال الحافظ السخاوي: هوموقوف حسن. وعليه  فاللام  في “المسلمون” ليس  للاستغراق  بل للعهد، فالمراد به إجماعُ الصحابة واتِّفاقُهم على أمرٍ.

24. “حَمْلُ العَصا علامة المؤمنِ وسنّةُ الانبياءِ “

     موضوع، أخرجه الديلميّ في”مسند الفردوس” من طريق يحيى بْنُ هاشمٍ الغَسّاني، وإن ذكره السيوطي في “الفتاوى” وسكت عليه، وفي “الجامع الصغير“، فقد تَعقّبه شا رحُه المَناوي     بأنّ الغَسّاني هذا قال الذهبي في “الضعفاء“: قالوا: كان يَضع الحديثَ.

25. “ركعتان من المتزوِّج أفضل من سبعين ركعةً من الأَعْزَبِ”

     موضوع، رواه العُقيليّ في “الضعفاء” عن مُجاشع بْنِ عمرٍو، وقال:مُجاشِع حديثه منكر غيرُ محفوظٍ  وقال ابن حباّن: يَضع الحديثَ، ومن طريق العقيليّ ذكره ابن الجَوْزي في ” الموضوعات

(السلسلة : 2  /17 ومابعدها مختصرا)

26. “كان  إذا  صلّى مَسَح  بيده اليُمْنى  على رأسه ويقول: بسم الله الذي لا إلهَ غيرُه الرحمنِ الرحيمِ، اللّهمّ أذْهِبْ عنّى الهمَّ والحزنَ “

     ضعيف  جدًّا، رواه الطبراني في “الأوسط” عن كثير بن سُليم. قال البخاري وأبوحاتم : منكر الحديث، وقال النسائي والأزَدي : متروك، وضعّفه غيرُهم.

27. ” كان إذا قضى صلاتَه مسح  جبهتَه بيده اليمنى ثمّ قال : أشهد  أن لا إله إلاّ الله الرحمنُ الرحيمُ، اللّهمّ أذْهِبْ عنّى الهمَّ والحزنَ “

     ضعيف جدّا أيضًا، أخرجه ابنُ السنّي فى “اليوم والليلة” عن سلام المدائنيّ، وهو كذّاب

28. ” ألا دخلتَ في الصفِّ، أو جَذَبْتَ رجلاً صلّى معك ؟ أّعِدِ الصلاةَ ” ضعيف جدًّا، أخرجه ابنُ الأعرابيّ في “المعجم” من طريق يحي بْنِ عَبْدَوَيْه وقَيْس بْنِ الربيع. ولكن إسناده واهٍ جدًّا، فلا يصلح للشهادة، فإنّ قيسًا ضعيفٌ، وابْنُ عَبْدَوَيْه أشدُّ ضعفًا منه. وإذا ثبت ضعفُ الحديثِ فلا يصحّ حينئذ القولُ بمشروعيّةِ جَذْبِ الرجلِ من الصفِّ ليَصُفَّ معه، لأنّه تشريعٌ بدونِ    نصٍّ صحيح، بل الواجبُ أن ينضمَّ إلى الصفّ إذا أمكنَ وإلاّ صلّى وحده ، وصلاتُه صحيحة، لأنّه ﴿ لا يكلّف اللهُ نفسًا إلاّ وُسْعَها

29. ” إذا حُدِثْتم عنّى حديثًا يُوافق الحقَّ فخذوا به ، حّدَّثْتُ به أو لم أُحَدِّثْ “

     موضوع، أخرجه العقيلي في “الضعفاء” والهرويّ في “ذمّ الكلام” وابْنُ حزم في “الأحكام” من طريق الأشْعَث بْنِ بزَّار. قال العقيليّ : وللأ شعث هذا غيرُ حديث منكر، وقأل ابن حزم: كذّاب ساقط، وأورده ابن الجوزي فى “الموضوعات“. وقال يحي : هذا الحديث وضعّتْه الزنادقةُ، وقال الخطابي: لا أصلَ له.

30.” من أشارَ في صلاته إشارةً تُفْهَم عنه فليَعُدْ لها يعني الصلاةَ “ منكر، أخرجه أبوداود وغيره من طريق محمدبنِ اسحاقَ، وقال أبوداود : هذا الحديث وَهْمٌ  والإمام أحمد سئل عن الحديث، فقال : لا يَثْبت إسنادُه ، ليس بشيءٍ والصحيح إباحةُ الإشارة على ما ذكرمسلم وغيْرُه .

                                                       (السلسلة :2 /  114 وما بعدها – 3/ 171وما بعدها مختصرا)

31. ” الجمعةُ واجبةٌ على خمسينَ رجلاً، وليس على مَنْ دُونَ الخمسينَ جمعةٌ “

     موضوع، رواه الطبراني في”المعجم الكبير”وابن عديّ والدارقطني عن جعفربْنِ الزبير. وقال: وجعفر هذا احاديثُه عامّتُها مما لا يُتابَع عليه، والضَعْف على حديثه بَيِّنٌ. وقال الدارقطني : وجعفر متروك. وقال المناوي : قال الذهبيّ في “المهذّب” : حديثٌ واهٍ. وقال الهَيْثميّ : فيه جعفربْنُ الزبير، وهوضعيف جدًّا. وقال ابن حجر : جعفربنُ الزبير متروك.

32. ” الجمعةُ واجبة على كلِّ  قريةٍ فيها  إمامٌ، وإن  لَمْ يكونوا إلاّ أربعةً، حتى ذكرr ثلاثةً”. موضوع، رواه ابنُ عديّ عن مُعاويةَ بْنِ سعيد عن الحَكَم بْنِ عبد الله بْنِ سعيد، وقال : الحَكم أحاديثُه كلّها موضوعة، وما هومنها معروفُ المتنِ فهو باطل بـهذا الإسنادِ.

33. ” إنّ الله اسْتخلصَ هذا الدينَ لنفسه، فلا يصلح لدينكم إلاّ السَخاءُ وحُسْنُ الخُلقِ،         ألا فَزَ يِّنوا دينَكم بـها”. موضوع،  أخرجه الطبراني في”الأوسط” عن عَمْرِوبْنِ الحصين العُقيليّ، وقال الطبراني: تفرّد به عَمْرُو، قال الألباني : وهوكذّاب كما تقدّم مرارًا. وقال الهيثمى في”مجمع الزوائد” : رواه الطبراني في “الأوسط” وفيه عمرو بْنُ الحصين العقيلي وهومتروك. ومن طريقة أخرجه أبوحا تم في ترجمته من “الجرح والتعديل” وابنُ حبّان       في “الضعفاء ”  وقال : يروي المناكيرَ الكثيرةَ التي لاتخفى على من عُنِي بعلم السنن.

34. ” لا يدخل ولدُ الزنا الجنّةَ، ولا شيءٌ من نَسْلِه، إلى سبعةِ آباءٍ “ باطل، رواه الطبراني       في ” الأوسط” عن الحُسين بْنِ إدريس الحُلْواني، وأورده ابن الجوزيّ في “الموضوعات” وتبعه السيوطي في”اللآلي المصنوعة“. وللحديث طرق أخرى كلّها مَعْلولة، وقد ساق ابْنُ الجوزي بعضها وبيّن عِللَها ثم قال : إنّ هذه الأحاديث مُخالِفة للأصول، وأعظمها قوله تعالى:     ﴿وَلاَ تَزِرُوَا زِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾. وزاد عليه ابنُ عراقٍ في “تنزيه الشريعة” ولقوله  r : “ولدُ الزنا ليس عليه من إثم أبويه شيءٌ” أخرجه الطبرانى من حديث عائشةَ، قال السخاوي: وسنده جيّدٌ. والله أعلم.

                                                                  (السلسلة :3 / 348 ومابعدها مختصرا)      


Aksi

Information

Tinggalkan Balasan

Isikan data di bawah atau klik salah satu ikon untuk log in:

Logo WordPress.com

You are commenting using your WordPress.com account. Logout / Ubah )

Gambar Twitter

You are commenting using your Twitter account. Logout / Ubah )

Foto Facebook

You are commenting using your Facebook account. Logout / Ubah )

Foto Google+

You are commenting using your Google+ account. Logout / Ubah )

Connecting to %s




%d blogger menyukai ini: